X
جديد الموقع
حزب الله يهنئ الشعب الفلسطيني على كسر قيود الاحتلال عن المسجد الأقصى المبارك
حزب الله: ما قام به أبناء عائلة الجبارين في القدس درس لأحرار الأمة..
الإمام الخامنئي: الجرائم بحق الشعب الايراني لن تزيده إلا كرهاً للادارة الأميركية وأذنابها بالمنطقة كالسعودية
بيان صادر عن حزب الله تعليقاً على اقتحام النظام البحراني لمنزل آية الله الشيخ عيسى قاسم
حزب الله يدين بأشد العبارات : الحكم ضد آية الله الشيخ عيسى قاسم جريمة
السيد حسن نصر الله يهنئ الشيخ روحاني بإعادة انتخابه رئيسا للجمهورية الاسلامية

سيد المقاومة :: خطـابات السيد نصر الله في ليالي عاشوراء 1437ه-2015 م

img
Facebook Twitter WhatsApp Pinterest Gmail DoMelhor Addthis

 

 

 

 

 

كلمة سماحة السيد حسن نصر الله (حفظه الله) في الليلة الثالثة من محرم 16/10/2015

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا خاتم النبيين أبا القاسم محمد بن عبد الله وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحبه الأخيار المنتجبين وعلى جميع الأنبياء والمرسلين.

السلام عليك يا سيدي ومولاي يا أبا عبد الله الحسين يا ابن رسول الله وعلى الأرواح التي حلّت بفنائك عليكم مني جميعاً سلام الله أبداً ما بقيت وبقي الليل والنهار ولا جعله الله آخر العهد مني لزيارتكم السلام على الحسين وعلى علي بن الحسين وعلى أولاد الحسين وعلى أصحاب الحسين.

السادة العلماء، الإخوة والأخوات السلام عليكم جميعاً ورحمة الله وبركاته.

منذ عقود، منذ عشرات السنين، هناك جهود فكرية، وثقافية، وإعلامية مركّزة على أجيالنا وعلى عقولنا - خصوصاً على مستوى العالمين العربي والإسلامي ومن ضمنهم لبنان - في سياق الحرب الناعمة التي تُخاض منذ ذلك الوقت، وهي تركّز على فكرة محدّدةوالتي سأتحدث عنها الليلة – والتي تتعلق بتحمّل المسؤولية تجاه الشأن العام،؛ الأمور العامّة، والأوضاع العامّة، سواء الأوضاع العامة أو الشأن العام في البلد، بمعنى إذا أخذناها جغرافياً؛ في البلد. الذي نعيش فيه، مثلاً أنا كلبناني تجاه بلدي لبنان، العراقي تجاه العراق مثلاً، المصري تجاه مصر، الفلسطيني تجاه فلسطين وهكذا... أو باتجاه بقية البلدان وبقية الشعوب في المنطقة أو في العالم، هذا بالجغرافيا. وكذلك على المستويات كافة سواء كان هذا الشأن العام، شأناً سياسياً أو إعلامياً أو ثقافياً أو اقتصادياً أو اجتماعياً أو معيشياً أو تربوياً أو أمنياً أو أي شأن من الشؤون العامة. نقول الشأن العام بمعنى أنه يرجع إلى الناس جميعاً أو إلى شريحة كبيرة من الناس. هذا الشأن العام.

هذا الجهد الذي كان يُعمل عليه منذ عشرات السنين إلى الآن. ولكن في السنوات الأخيرة أصبح هناك تركيز أكبر وجهد أعظم بسبب، تطوّر وسائل الاتصال، فاليوم لدينا تلفزيونات، فضائيات، إذاعات، مواقع إنترنت، وتواصل اجتماعي ومجلات وصحف ووو... التطوّر أعطى فرصة لهذه الهجمة أكثر من أيّ وقت مضى.


هذه الفكرة ماذا تقول؟ الفكرة – هذه الفكرة التي تشتغل عليها الحرب الناعمة –تشتغل على مراحل فيما يعني بالمسؤولية العامة؛ حيث أنه لا أحد يستطيع مناقشة أحد بالمسؤولية الشخصية؛ أي عليك أن تهتم بصحتك، أن تهتم بعلمك، أن تحصّل المال مثلاً، أن تعيش حياة طيبة، حتى بالشأن الديني أنك تهتم بدينك الشخصي، صلاتك، صومك... احتمال أن لا تُناقش في هذا الموضوع كثيراً. النقاش له علاقة بالمسؤولية تجاه الأوضاع العامة.

المرحلة الأولى، بدأوا العمل على الموضوع الجغرافي. سأسميه جغرافي. تستطيعون تسميته قومي، قطري مثلما تريدون. فأنت أيها اللبناني احمل مسؤولية بلدك، ناسك، أهلك، شعبك، وطنك، ما علاقتك بفلسطين والفلسطينيين؛ بسوريا والسوريين، بالعراق والعراقيين؛ باليمن واليمنيين، بمصر والمصريين، بباكستان والباكستانيين وهكذا... هل لأنه هناك قاسم مشترك بينك وبينهم، أنكم منطقة واحدة مثلاً تتأثر ببعضها البعض، أو تنتمي إلى عرقٍ واحد أو لغةٍ واحدة، أو دينٍ واحد، أو حضارة واحدة... ما لك ولهذه القصص كلها. فليكن تركيزك على بلدك. طبعاً، هذا ما تسمعونه في الليل والنهار، اليوم في لبنان وفي غير لبنان وفي العالم العربي يجري العمل بشكل كبير على هذا الموضوع. هكذا بدأت المرحلة الأولى. أنك، بناءً عليه، تهتم لما يجري بالشعوب الأخرى والدول الأخرى؟ أولاً هذه ليست مسؤوليتك، أرح أعصابك، احمل خفيف، نزّل عن اكتافك (مش هيك بيحكو عنا بلبنان)، فليس هناك من داعٍ لأن تسأل وتتابع وتهتم. لا تحمل همّ. لأن (تهتم هي العناية مع الهمّ هذه باللغة العربية الأصلية)، أن تفكر كيف ستساعد وكيف يمكن أن تعين، طبعاً هذا يسمونه تدخّل، طالما أن هذه الأمور ليست من مسؤوليتك. ثم يرقى الأمر إلى مستوى الإدانة. وهذا أسوأ. بمعنى إذا اهتم أحد ما بشعوب المنطقة ودول المنطقة، ومصير المنطقة فهذا يصبح (منقسرطانية)، وهذا عيب، وهذا شيء يُدان عليه الإنسان ويُهاجم ويُشتم ويُساء له ولجماعته، ما ذنبهم؟ ذنبهم أنهم مهتمين بوضع المنطقة وشؤون المنطقة ومصير المنطقة وما شاكل. هذه المرحلة الأولى.

أتت المرحلة الثانية، طبعاً هذا يُتنظّر له كما المرحلتين التاليتين، وصلوا الآن لعمل مراكز دراسات والتي تقوم بوضع نظريات لهذه الفكرة. يجدون لها سياق قانونية، عبارات حقوقية، ويتحدثون بالمصالح والحسابات، الأسوأ أنه في المدة الأخيرة بدأ الكلام بالمعايير الدينية: أن الإسلام يقول هكذا. وهذا فيه أكبر تزوير تاريخي؛ أن الإسلام يقول هكذا، والدين يقول هكذا، والأنبياء يقولون هكذا. أين الإسلام والدين والأنبياء الذين يقولون هكذا؟ وصل الأمر بالبعض أن يعتبر نفسه مفكر عظيم ويقول بالأساس لم أجد في الإسلام وفي الدين أي أساس لتحمّل المسؤولية تجاه شعوب المنطقة ودول المنطقة والأمة وما تسمونه الأمة. فإلى هذه المرحلة وصل الجهل والتجهيل والتزوير!

ما ساعد على الموضوع- أي على نجاح المرحلة الأولى- أنا أعتبر أن المرحلة الأولى نجحت بنسبة كبيرة على المستويين العربي والإسلامي وبدرجة عالية، ما ساعد عليه الصعوبات، التحديات، الأخطار، لأنه في كل بلد توجد صعوبات كافية لأن تشغل أهل البلد هذا أولاً، وثانياً الإحباطات، اليأس، عدم الثقة بالنفس، عدم الثقة بالآخر، الفشل، الإحساس بعدم القدرة على الإنجاز، على صنع الانتصار. وهذا تمّ العمل عليه ضمن الحرب الناعمة. مع هذه وصلوا إلى محل أن كل بلد يفكر ببلده، وكل شعب يفكر بشعبه، وهذا ما قد سبق وتحدثت عنه وقلت بأنه خطأ فكري وإنساني وديني.

أتوا إلى المرحلة الثانية في نفس البلد. في نفس البلد وفي كل بلد توجد المشاكل والخصومات وأيضاً يوجد تنوّع، أكيد في كل بلد يوجد تنوّع، مثل ما لدينا في لبنان، هناك جهوية، ومناطقية، وشمال وجنوب، وشرق وغرب، وهناك انتماءات عرقية قد تكون متفاوتة. وانتماءات دينية قد تكون متفاوتة، دخلوا على نفس البلد قسّموا هذه الهموم وهذه المسؤوليات، وكي لا نأخذ أمثلة من بلدان أخرى سنتحدث عن بلدنا لبنان.

على أساس أننا كلبنانيين نريد أن يكون الهمّ اللبناني هو همّنا وليس لنا عمل بالمنطقة كلها. عظيم. وعلى على أساس أن يصبح الهمّ اللبناني الهمّ الوطني فنجد أن الهمّ الوطني أصبح هموم: هذا شأن شيعي ممنوع لأحد أن يتدخل به فبقية اللبنانيين لا علاقة لهم به، هذا شأن سنيّ، هذا شأن درزي، هذا شأن مسيحي؛ لماذا على المسلمين أن يتدخلوا. فإذا كان شأن للمسلمين لماذا على المسيحيين أن يتدخلوا.

في لبنان، المسؤوليات الوطنية، المسوؤليات تجاه الشأن العام اللبناني، قاموا بتقسيمها وتمزيقها وتقزيمها. وبعد الطوائف، أخذونا أو يأخذوننا على المناطقية. فغداً؛ أهل الشمال يقولون ما لي ولأهل بيروت وهذا ما يحصل الآن، أهل البقاع ما لي ولأهل الشمال، أهل الجنوب ما لي ولأهل البقاع. مثل ما على مستوى المنطقة كل شعب (يقلع شوكه بيده) هو هذا التعبير عن الثقافة الاستعمارية بالحقيقة. الشعب السوري، الشعب العراقي، الشعب اليمني، الشعب الإيراني، شعب فلسطين، كل شعب (يقلع شوكه بيده).

نحن كشعب لبناني رضينا، وأردنا أن (نقلع شوكنا بيدنا)، وعندما أتينا للشعب اللبناني، أصبحنا شعوب، الشعب الشيعي عليه أن (يقلع شوكه بيده)، والشعب السنّي عليه أن (يقلع شوكه بيده)، وكل شعب وكل طائفة عليها أن (تقلع شوكها بيدها). ووصلنا إلى المناطق؛ على أساس أننا وطن وبلد، أصبحنا مناطق. كل منطقة عليها أن (تقلع شوكها بيدها). أبشع تصوير لهذا المستوى من الانحطاط الفكري والثقافي والأخلاقي الذي وصل إليه البلد. لا تؤاخذوني ولكنني مضطر أن أضرب هذا المثل؛ هو ما وصلنا إليه في موضوع النفايات. الآن تقرأون في الجرائد، لماذا خطة النفايات متوقفة أيها اللبنانيون؟ لأننا بانتظار مطمر شيعي. الآن البلد هكذا؛ فنحن أمّنا مطمر سنّي بعكار، ومطمر درزي مثلاً لسبعة أيام في الناعمة، ومطمر مسيحي لا أعرف أين، لا زلنا بحاجة إلى مطمر شيعي. فإذا أنتم يا حزب الله وأمل لن تقدموا لنا مطمر شيعي فخطة النفايات لن تسير. أرأيتم أين أصبحت البلد؟ لكنها لم تبدأ من هنا، بل أول الوهن. بدأ عندما قبلنا تقسيم المسؤوليات تجاه الأمة وتجاه المسلمين وشعوب المنطقة وناس هذه الأمة بمعزل عن انتمائهم الديني أو الوطني أو العرقي. يبدأ من الكبير أول الوهن وتصل إلى أن المطامر أصبحت طائفية في لبنان. والزبالة أصبحت طائفية في لبنان. بعدها سيكون حتى في داخل الطائفة الواحدة، لماذا على أهل المنطقة الفلانية عليهم حمل زبالة أولاد طائفتهم من منطقة أخرى، فلتحمل كل منطقة زبالتها، وبعدها سنتجزّأ: المنطقة تصبح أقضية، والأقضية تصبح قرى، والقرى تصبح أحياء وعائلات، ونصل إلى مرحلة في البلد أنه لا أحد يتحمل مسؤولية تجاه بلده. الآن تجاه أمّـته انتهت. تجاه أمّته، من يتحمل مسؤولية في لبنان تجاه أمّـته أو قضايا أمته محكومٌ عليه، مُدان، متهم بوطنيته ولبنانيته، وهناك بعض الأشخاص المطلوب أن يتم تقديم الشهادة له بوطنيتهم ولبنانيتهم. هذا هو الانحطاط.

فلنترك قضايا الأمّة جانباً. لبنان البلد؛ لم تعد هناك قضية وطنية بل أصبحت قضية طوائف، قضية مناطق لنصل بعدها إلى قضية عائلات، وقضية عشائر، والعشيرة أيضاً أجباب: جبّ العائلة وجبّ العشيرة، هذه هي المرحلة الثالثة التي يريدون منّا الوصول إليها. قريباً سنصل إليها. بمعنى وصلنا إلى بعضها على المستوى المناطقي.

المرحلة الرابعة، التي هي بالأصل هدف إبليس منذ البداية. وكل شياطين الجن والإنس الذين يعملون لديه، هو أن يصلوا إلى الفرد منّا ويقولون له أنت لا مسؤولية عندك تجاه أي شيء سوى تجاه نفسك. وتجاه نفسك أي تجاه شهواتك وأهوائك، وأكلك وشربك، ومتعك وحياتك الناعمة. لا مسؤولية عندك: أين يصبح أهلك، عائلتك أين تصبح في الدنيا والآخرة لا مسؤولية عندك. أهل ضيعتك أين سيصبحون؟ لا مسؤولية عندك. أهل مدينتك، أهل منطقتك، طائفتك، بلدك، أمّتك؟! المهم أن يغرق كل واحد منّا بهمومه الشخصية وبشهواته ومصالحه ومشاعره وأحقاده، وما يحب هو لنفسه، وما يبغض هو لنفسه. وهذه هي الكارثة الكبرى التي يمكن أن تحلّ بأي أمّة وبأي إنسان على مستوى الدنيا وعلى مستوى الآخرة.


هذا الموضوع، طبعاً هو موضوع يجري العمل عليه كما سبق أن قلت في الليل والنهار، بكل وسائل الاتصال على المستوى الثقافي، ليتمكنوا من إقناعنا وإقناع شبابنا والناس، الصبايا والشباب، الكبار والصغار، فهذه هي الثقافة السائدة. والآن هذه الثقافة جزء كبير منها سائد. فأنا لا أتكلم عن شيء وأقول لكم أيها الناس هذا ما سيحدث بل هذا قد حدث ونحن الآن في قلبه، وهو يتقدم أيضاً لذلك نحن معنيين بمواجهته. رغم أن هذه المسألة، كما سأذكر بعد قليل، من أوضح الواضحات، من أبده البديهيات العقلية والفطرية والدينية. لكننا في زمن، التغوّل الإعلامي، وتغوّل مراكز دراسات وقوى الاستكبار، وصلت لمكان أن تلعب بعقولنا حتى بالبديهيات، حتى بأوضح الواضحات العقلية والفطرية والدينية.

لكن هنا، ما هي أهمية هذا المرض؟ انظروا إلى جسد الإنسان، أحياناً تأتي باليدين والرجلين والرأس والعيون مقطعين، تجمعهم فتحصل على جسد، لكن بلا روح، هذا الجسد لا قيمة له. في الجماعة، أفراد، تجمعهم في إطار معين، دولة، مجتمع، قرية، بلدة، مدينة، عشيرة، عائلة، كيفما تريد، يصبحوا جماعة، إذا لم توجد الروح في الجماعة؛ هذه ليست جماعة، هذه منظر جماعة. كالجسد منظر إنسان، لكنه ليس بإنسان لأنه بلا روح، روح الجماعة هي تحمل المسؤولية. من أبرز عناوين أو تجليات الروح في الجماعة هو تحمل المسؤولية تجاه الآخرين؛ اتجاه بقية أفراد الجماعة، وإلا إذا كان البناء في هذه الجماعة على أن يتحمل كل فرد مسؤولية نفسه ولا مسؤولية عنده تجاه الآخرين، هي ليست جماعة هي شكل كجسد الإنسان. هنا نحن نُمسّ بروحنا لأن المطلوب هو تفتيت هذه الجماعة البشرية، تفتيتها، الأمّة تُفتت إلى قوميات، القوميات تُفتت إلى أقطار، الأقطار تُفتت إلى مناطقيات، والمناطقيات تُفتت إلى عشائريات وعائليات وقبليات، وحتى العائلة تُفتت على المستوى الفردي. هذا أخطر مرض يمكن أن نشهده ونشهده اليوم.

عندما يصل أحدنا إلى مستوى أنه يعاين ويشاهد كل ما يجري على أهله وعلى شعبه وعلى أمته وعلى المقدّسات؛ وكل ذلك لا يعني له شيئاً، لا يهتم، حتى لا يتألم. بعض الناس قد وصلوا لمرحلة لا يتألمون، لا يحزنون، لا يهتمون، لا يسألون، على قاعدة أنا وبعدي الطوفان. أنا وليذهب الجميع إلى الجحيم. الآن هذه الأنا ممكن أن تكبرها قليلاً لتصيرها عائلة، عشيرة، قرية، تصيرها تنظيم سياسي، تصيرها جمعية، مؤسسة، ممكن تصيرها طائفة أو كما تريد. ولكن هذا خطر.

لنأتي إلى الجواب والمناقشة. قبل أن نسأل الدين والإسلام، بشكل محدد، فلنسأل عقولنا: فالآن كل واحد منا لديه عقل، ونسأل فطرتنا الإنسانية التي فطرنا الله عليها معاً، فالناس جميعاً لديهم فطرة واحدة فطرة إنسانية -أبيض، أسود، أحمر، أخضر- هذا العقل الإنساني والفطرة الإنسانية من أعظم مواهب الله سبحانه وتعالى للإنسان، نسألهم. فلنأخذ مثلاً عادياً؛ ولن أذهب إلى قضايا وطنية والأمة وما شابه. جنابك تتمشى على شاطئ البحر أو جالس على ضفة نهر رأيت أحدهم يغرق ويصرخ، عقلك ماذا يقول؟ عليك مساعدته أم لا؟ عقلك، فطرتك، قلبك، مشاعرك، روحك من الداخل ماذا تقول؟ عليك بمساعدته. بشكل غريزي تبدأ بالصراخ وإذا لم تعرف السباحة تصرخ للموجودين على الشاطئ أو على الضفة، ممكن أحد ما لا يعرف السباحة ومن وهلته يعني عقله وفطرته وعاطفته تجعله ينزل إلى الماء معه عسى أن يستطيع أن يفعل له شيئاً. أوليس هكذا العقل والفطرة؟ هذا مثل عادي. الآن، إذا كنا متواجدين في مكان ما ويقولون لنا، هناك عائلة الآن تموت جوعاً، إذا أخذنا لها رغيفاً من الخبز ننقذها من الموت. عقلنا ماذا يقول لنا، هل نذهب لمساعدتها أم لا؟ فطرتنا ماذا تقول، نفس الأمر. إذا قيل لنا أن هناك عائلة محاصرة في هذا البيت، والنار تحيط به من كل جانب، وليسوا بقادرين على الخروج، لذلك نريد مجموعة شباب لتكسر الباب والجدار لتخرج العائلة، العقل ماذا يقول والفطرة ماذا تقول، أي هل توجد مسؤولية من هذا النوع تجاه الآخرين أم لا؟ هذا إذا أخذنا بالأمثلة الشخصية الصغيرة المتواضعة. فإذاً، هذا حكم العقل وهذا حكم الفطرة، والذي يتكلمون هم عنه مناقض للعقل ومناقض للفطرة. وحتى العقل والفطرة يتوجه إلى الإنسان كإنسان. بمعنى وأنا أمشي على شاطئ البحر، هذا الذي يغرق عليّ أن أسأله: أنت لبناني يا أخي، أو سوري، أو عراقي، أو شرقي، أو غربي؟! أنت ماذا مسلم أم مسيحي، أو سني أو شيعي؟! أنت معنا بالحزب أم لست معنا بالحزب؟!. العقل ماذا يقول والفطرة ماذا تقول؟ يوجد موضوع اسمه ناس، وموضوع اسمه إنسان، ويوجد موضوع اسمه حكم العقل والفطرة تجاه الآخرين.

العقل والفطرة، إذاً، يقولان لك أنه لديك مسؤوليات تجاه الآخرين بمعزل عن لونهم، عن لغتهم، حتى عن انتمائهم الديني، عن الجغرافيا التي ينتمون إليها، عن عائلتهم، عن عرقهم، عن نسبهم، هناك مسؤولية اتجاه الآخرين تتسع وتضيق، نعم. ولكن بالمبدأ توجد مسؤولية كبيرة تجاه الآخرين بمعزل عن كل الاعتبارات.

نأتي إلى المستوى الديني، الأمر من أوضح الواضحات الدينية والإسلامية ولكن لأننا في زمن التضليل والتزوير والتجهيل والاستحمار، كما كان يقال، (حقاً هناك استحمار). هذه الكلمة لم تكن تعجبني سابقاً، اعتبرها بشكل أو بآخر، (انو لا عم يستحمرونا الجماعة يعني) يأتي ويتكلم معك منطق ومصطلحات ولغة أكاديمية ودراسات؛ كلام فارغ. والآن قد وصل الأمر إلى الدين، إلى الإسلام، إلى استخدام المصطلحات الإسلامية لتقديم هذه الفكرة.


بالرغم من هذا الأمر واضح، سنتكلم عنه قليلاً، على المستوى الديني. أولاً، الإسلام هو دين العقل والفطرة، وسبق أن تحدثنا عن العقل والفطرة. ثانياً، سيرة الأنبياء (عليهم السلام)، كل الأنبياء من آدم، إلى نوح، إلى إبراهيم، إلى موسى، إلى عيسى، إلى محمد (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين)، كل أنبياء الله، كل أوصياء الأنبياء، كل الرجال الصالحين عبر التاريخ، هكذا كانوا يتحملون المسؤوليات تجاه الناس، كل الناس. كم جاهدوا وعملوا وضحوا من أجل إخراج الناس من الظلمات إلى النور، من أجل إنقاذ الناس من الظلم، من أجل الأخذ بيد الناس إلى الخير وإلى السعادة، وإلى الأمن، وكم عملوا لكي يقيموا العدل في الأرض. هذا شأن عام، وهذه المسؤولية العامة. فهذا جزء مكوّن من مكوّنات الدين، والهوية الدينية. كم تحملوا من مخاطر، وكم قتل من أنبياء ومن أوصياء ومن صالحين. لماذا قُتلوا؟ قُتلوا لأنهم كانوا يتحملون – أحد الأسباب المهمة، من أعظم الأسباب لا كل السبب الوحيد – من أعظم الأسباب أنهم كانوا يتحملون هذه المسؤوليات العظام تجاه البشرية وتجاه الخلق وتجاه الناس.

عندما نأتي للقرآن الكريم، ولسنّة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وآل رسول الله، سواء وصلتنا عن طريق أهل البيت (عليهم السلام) أو عن طريق الصحابة (رضوان الله تعالى عليهم)، أيضاً هذا الأمر من أوضح الواضحات. انظروا، عندما نقرأ النصوص الإسلامية، سواء كانت قرآنية أو سنّة. في الأدبيات الموجودة، لدينا عبارة المسلمون، المؤمنون، الذين آمنوا، أيضاً لدينا عبارة الناس، يا أيها الناس، والخلق، وخلق الله، والعباد، وعباد الله، وعيال الله، والمستضعفون من الرجال والنساء والولدان، يعني المخاطَب، هو الناس، البشر، الإنسان، خلق الله، عيال الله، عباد الله.

عندما نأتي للعناوين، فقط إذا عملنا فهرس، يعني من الواضح أن الإسلام هو دين من جملة مكوّناته الحقيقية أنّ على أتباعه أن يتحمّلوا المسؤوليات العامّة اتجاه الناس واتجاه المسلمين. عندما نضع العناوين، الفهرس – طبعاً سأذكر بعض العناوين وإلا فالفهرس طويل – مثلاً، الهداية إلى الحق، مسؤلية هداية الناس إلى الحق. الدعوة إلى الله. نصرة المظلومين. إغاثة الملهوفين. مساعدة الفقراء والمساكين والأيتام والمعوزين. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. الدفاع عن المستضعفين من الرجال والنساء والولدان. الإصلاح بين الناس (الإصلاح بين الناس فقط أن رجل وزوجته اختلفوا علينا أن نصلح بينهما أو عشرتين تقاتلوا علينا أن نصلح بينهما)؟ الإصلاح بين الناس أعمّ من هذا بكثير، إصلاح على مستوى الوطن، إصلاح على مستوى الشعب، إصلاح على مستوى المنطقة، إصلاح على مستوى الأمة هذا هو الإصلاح بين الناس. النصيحة في الناس، كما في الشأن الشخصي أيضاً في الشأن العام. كل ما يرتبط بحياة الناس، بخيرهم، بصلاحهم، بمصالحهم، بسعادتهم، بأمنهم، بسلامهم، بسلامتهم، في الدنيا وفي الآخرة هو هذا الخير والنفع الذي يجب أن يعمل له كل من ينتمي إلى الإسلام.

يكفي أن نذكر ولو أحاديث سريعة. في حديث بعض فقهائنا بالحد الأدنى بعضهم يقول هذا حديث مشهور بين المسلمين بل متواتر - يعني لا أحد يناقش بسنده. عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): من أصبح لا يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم. ونصّ آخر يقول: من لم يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم. يعني لا يوجد (من أصبح). حديث آخر: من أصبح لا يهتم بأمور المسلمين – أيضاً عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) – فليس منهم ومن سمع رجلاً – ولم يقل من سمع مسلماً – من سمع رجلاً ينادي يا للمسلمين فلم يجبه فليس بمسلم. هذا إغاثة الملهوف.

هذا ديننا وهذا إسلامنا. والذي يُقدَّم اليوم بالعالم من خلال داعش وماعش وأمثالها بأبشع صورة يمكن أن يفترضها إنسان.

وأيضاً عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إنّ أعظم الناس منزلة عند الله يوم القيامة – مَنْ؟ اسمعوا – إن أعظم الناس منزلة عند الله يوم القيامة أمشاهم في أرضه بالنصيحة لخلقه. النصيحة في كلّ شيء، بكل ما له خيرهم وفيه خيرهم وصلاحهم، هذا للناس عند الله يوم القيامة. فهو ما عمله، في ضيعته، في مدينته، في منطقته، في طائفته، بشعبه، بأمّته، هو أن يمشي بالنصيحة، ينصح، يوجّه، يرشد، يدلّ على الحق، على الصلاح، على الخير، على حلّ الأزمات. عليكم بالنصح لله في خلقه فلن تلقاه بعمل أفضل منه - أيضاً عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) - الخلق عيال الله فأحبّ الخلق إلى الله أنفعهم لعيال الله. سُئل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، من أحبّ الناس إلى الله؟ قال: أنفع الناس للناس.

سأقرأ لكم حديثاً ملفتاً، أنه حتى ولو لم تكن قادراً على فعل شيء، فقط أن تهتم، تحمل همّ. إنّ المؤمن لترد عليه الحاجة لأخيه – أي يَخبَر أو يُطلب منه أن أخاك أو فلان له حاجة – ولا تكون عنده – لا يستطيع عمل شيء له، إذا أراد المال فليس لديه المال، يريد حل لمشكلة ما ليس بقادر على حل هذه المشكلة، يريد الدفاع عنه ليس بقادر كذلك... إلى آخره – ولكن فيهتمّ بها قلبه – فكّر في الليل، اغتمّ فهذا أخي، محتاج وليس باستطاعتي عمل شيء له فيا رب كيف لي بمساعدته. بمعنى حمَلت همّه – فيدخله الله تبارك وتعالى بهمّه الجنّة.

انظروا هنا ممّا يريدون حرماننا، هؤلاء المستكبرين، وجماعة الحرب الناعمة، وخدم شياطين الجن والإنس، والمستحمرين لنا، عندما يريدون حرماننا من أن نهتم بأمور المسلمين وبأمور المؤمنين وبأمور المستضعفين، هم يحرموننا من طريق الجنة في الحقيقة أيضاً.

الله سبحانه وتعالى في القرآن يقول: ﴿وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك ذرية واجعل لنا من لدنك نصيرا﴾.

عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): من ردَّ عن قوم من المسلمين عاديةً – أي شيء يعتدي عليه – أو ناراً وجبت له الجنة. ليس فقط الصلاة والصوم والحج، هذا الدين، هذا دين الإسلام. دين الأنبياء، كل دين الأنبياء هذا دينهم. هذا دين محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

عندما نأتي لهذا الخطاب الديني، هل رأيتم –في أي مكان– لبناني، عراقي، سوري، فلسطيني، إيراني، أفغاني، هندي، بحراني، كويتي، موريتاني، نيجيري...؟ لا يوجد. يوجد ناس، يوجد عيال الله، يوجد خلق الله، يوجد مسلمون، مؤمنون، يوجد بشر.. هذا هو، هذا هو الدين.

هذه بدعة؛ أن قصة لبنان، ليس لديك مسؤولية أنت اتجاه الناس خارج لبنان، هذه بدعة. هذه بدعة أتوا بها إلى لبنان. أنت اليوم مسؤوليتك تجاه طائفتك فقط. بقية الطوائف في لبنان تعيش، تموت، تأمن، تنفجر، تأكل، تشرب، تجوع، لا دخل لك، لا مسؤولية لديك. فهذا سيوصل إلى هنا وقد وصل إلى هنا، نحن الآن في لبنان للأسف الشديد، جزء كبير منّا يعيش في هذه الثقافة وهذه العقلية. كأننا نحن مجموعة أوطان ومجموعة شعوب والذي يجري على أحدنا لا يعني الآخر على الإطلاق. وأنا صادق في ما أقول ولا أبالغ وأسميه زمن الانحطاط.

إذاً، في الخطاب الديني، في الخطاب الإسلامي، في الخطاب النبوي توجد مسؤوليات عامّة، هناك مسؤوليات يجب أن نتحمّل مسؤوليتها.


أنا الليلة أردت أن أعرض هذا الموضوع أمامكم. ايها الإخوة والأخوات: أولاً، انتبهوا لهذا التضليل ولهذا التزييف ولهذا التزوير الذي لا يمت إلى العقل بصلة ولا إلى الفطرة البشرية الإنسانية بصلة ولا إلى الله وأنبياء الله بصلة.

نحن كمسلمين، أتكلم عن المسلمين بشكل خاص، لأنهم يخاطبوننا بخطاب ديني الآن باسم الإسلام، من واجبنا أن نصلي، من واجبنا أن نصوم، من واجبنا أن نحجّ، من واجبنا أن ندفع زكاة أموالنا، من واجبنا أن نعمل لخير الناس، ونفع الناس، وأن نعمل لأمن الناس، وسلام الناس، وعزّة الناس، وكرامة الناس في بلدنا وفي كل مكان يمكن أن نصل إليه ونستطيع أن نقدم فيه العون والمساعدة. هذا هو الدين، وغير هكذا فهو ليس بدين بل شيء آخر. هذا هو الدين.

وعليك أن تتحمل، فمن الممكن أن يستهزئ بك أحد ما، في صلاتك، وفي حجك، وصومك وطبعاً ودينك، سيستهزئ بك لأنك تتحمل مسؤولية تجاه الأمّة واتجاه المنطقة واتجاه المقدّسات واتجاه شعوب المنطقة.


الجزء الآخر الذي سأتحدث عنه وأختم به، أن هذه المسؤولية العامة أيضاً – علينا أن ننتبه جيداً لنضع الأمور في ضوابطها لا نذهب بين الإفراط والتفريط؛ يعني بعض الناس كالذين تحدثنا عنهم في البدء، يقول لك ليس لديك مسؤولية عامة بالأصل، ويأتي آخر يريد تحميلك مسؤولية الكرة الأرضية والبشرية جمعاء، وكل المنطقة، وكل شعوب المنطقة، وعليك أن تفعل كل شيء وأن تقوم بكل شيء وأن تقاتل بالنيابة عن الجميع، وأن... وأن... وأن.... هذا اسمه إفراط وتفريط، أليس كذلك، عندما أتحدث عن المسؤولية العامة لا نريد الذهاب لا على الإفراط ولا على التفريط.

يوجد مجموعة قواعد هي التي تتحكم بتحديد التكليف الشرعي، أي أنا لدي مسؤولية اتجاه ما يحدث في هذا البلد. نعم بالأصل عندي مسؤولية، ولكن ما هي هذه المسؤولية، ما هي حدود هذه المسؤولية. الأمور هنا بالمبدأ سليمة، لكن عندما نصل على الإجراء والتدابير والتفاصيل، هنا لا يوجد مطلقات، هنا توجد ضوابط وحدود.

سأكتفي هنا بقاعدتين أو ضابطتين. القاعدة الأولى والتي هي أيضاً قاعدة عقلية. شرط القدرة. أي لا يكلّف الله نفساً إلا وسعها. هذا شرط عقلي. الشرع أرشد إليه كما يقولون. الله لا يكلّف أحد ولا يحمّل مسؤولية لأحد تفوق طاقته. في يوم القيامة، الله لن يسألنا، مثلاً، نحن الذين في الضاحية الجنوبية، أنتم لم تفعلوا شيئاً بالزلزال الذي حدث في اليابان. (لم نفعل شيئاً – تمام.) القدرة هنا هي شرط في التكليف عندما نذهب للإجراءات.

أولاً، إذاً، القدرة شرط. الله سبحانه وتعالى يكلّفنا بمقدار ما نقدر عليه. هنا القدرة متفاوتة. قدرة الأشخاص متفاوتة. قدرة الجماعات متفاوتة. قدرة البلدان والشعوب متفاوتة. قدرة الحكومات والدول متفاوتة. وبتفاوت القدرة قد يختلف التكليف من شخص لشخص، ومن جماعة إلى جماعة، ومن دولة إلى دولة، ومن شعب إلى شعب، هذا طبيعي، ومن منطقة إلى منطقة، لأنه على حدود القدرة يأتي التكليف. من الممكن أن لا يكون تكليفنا جميعاً واحد. سأضرب مثلاً، بعض الأشخاص ليسوا بقادرين على فعل شيء؛ مثلاً، شخص مريض غير قادر على أي عمل، ليس لديه المال، ومستلق في بيته. هذا ما تكليفه؟ فقط يحمل همّ، يتعاطف، يدعو، يستطيع التألّم لألم هؤلاء فليألم، يفرح لفرحهم فليفرح، يستطيع التحدث عن قصصهم مع زواره فليتحدّث، قادر على الدعاء لهم فليدعو. هذه قدرته، هذا تكليفه.

شخص آخر، لديه المال، قادر على المساعدة بالمال. وثالث، لديه القوة البدنية والسلاح، فهو قادر على أن يقاتل بالسلاح. أحدهم لديه علم وثقافة، وآخر منبر، وآخر تلفزيون يتكلم به ليلاً ونهاراً. يتفاوت التكليف بتفاوت القدرة، بالأفراد والجماعات...

طبعاً، هنا تصبح مسؤولية حتى في الموضوع. مثلاً في الصلاة، الصلاة عامود الدين، لكن الصلاة التي لا تُترك بحال، بكل الأحوال، لكن الله سبحانه وتعالى يقول لك أريدك أن تصلي وقوفاً، لا تستطيع أن تصلي وقوفاً عليك أن تصلي جلوساً، لست بقادر على الصلاة جلوساً فلتصلي وأنت مضطجع، لست بقادر على تحريك يديك بشفتيك، برموشك عينيك. هنا القدرة حتى في عامود الدين هي ملحوظة للصلاة. الصوم، ربما بعضهم غير قادر على الصيام لمرض، لعجز، يوجد حرج شديد عليه، الله لا يكلّفه بالصوم وهكذا...


طبعاً، هنا عندما نقول القدرة شرط، هنا تأتي الدقّة، لازم وجود المعرفة، والأمانة، والثقة، لأنني عندما أقول أنا قادر ولست قادراً، أو نحن قادرون أو لسنا قادرون، هنا واجب الصدق، ويوجد تشخيص دقيق ومعرفة دقيقة إذا كانت لدينا القدرة أم لم تكن لدينا القدرة.


أحياناً ومن أجل التهرّب من المسؤولية -وهذا ما هو موجود اليوم في العالم، بالعالم العربي والإسلامي وفي لبنان وغير لبنان- الكثير من الناس يتهربون من المسؤولية بحجّة أنهم ليسوا بقادرين. ماذا تقول. لكنه لا يكون صادقاً، بل كاذب، يكذب على شعبه وعلى أهله، وعلى نفسه ولكنه لا يستطيع أن يكذب على ربّه الذي يعلم السر وأخفى.

هنا تتأكد الحاجة -في القضايا الكبرى- إلى القيادات العارفة، الأمينة، الموثوقة، الصادقة، المخلصة، التي لا تتهرب من المسؤولية، لأن عليها أن تقول نقدر أو لا نقدر، وعلى ضوءه يتحدد التكليف.
ننتقل للقاعدة الثانية، وهي التالي: لن أقول الآن مصطلحها. مثلاً، يوجد 10 أعمال، أنا قادر على انجازهم في وقت واحد، جيد اتكل على الله واعملهم. لكن هناك 10 أعمال وأنا قادر على القيام بـ6 منهم، أريد أن أختار 6 من هؤلاء الـ10. العشرة كلهم ممتازين وجيدين وفيهم خدمة للناس وفيهم نفع للناس، ويقرّبون إلى الله، لكنني لست بقادر على فعلهم بوقت واحد أو وقت متقارب. هنا العقل ماذا يقول، والدين ماذا يقول، العقل والشرع يقول الاثنان: انظر إلى الأهم فالأهم، يُقدّم الأهم على غيره، تختار الأهمّ وتقوم بالعمل. هذا ما يسمونه بالمصطلح التزاحم. هنا يوجد تزاحم. (لا نقول الآن 10 و6، موضوعين) فأنا لدي إمكانية إما أن أعمل في هذا الشيء أو ذاك.

سأضرب مثلاً أيضاً شخصي، أنا لدي ألف دولار، هناك عائلة، ولو كنت قادراً على قسم الألف دولار إلى 500 و500 لا مشكلة، هذه العائلة كي تعالج هذا الأب أو الولد أو ما شاكل الذي هو في معرض الموت أو في حالة مرض شديدة لا تحتمل التأجيل، بحاجة إلى ألف دولار. وعائلة أخرى كي تدخل ولدها إلى المدرسة بحاجة إلى ألف دولار. هنا، ما هو الأهم وما هو المهم؟ العقل ماذا يقول، والدين ماذا يقول؟ أن أعطي العائلة الأولى، أساعد مريض العائلة الذي سيموت، وليس العائلة التي تريد إدخال ابنها المدرسة فهذا الولد إذا تأخر قليلاً لن تخرب الدنيا. هذا ما يسمى الأهم والمهم.

أيضاً، في موضوع أمني أو عسكري، أنه أنا لدي مجموعة وقادر على وضعها هنا أو هناك. هنا يوجد خطر فعلي، وهناك يوجد خطر محتمل مؤجل، فالأفضل أن أضع هنا مكان الخطر الفعلي الحقيقي. العقل يقول هكذا والشرع أيضاً.


هنا المسألة أيضاً هي مسألة تطبيق، كما تكلمنا عن القدرة، يعني الذي يريد أن يطبّق بأن هذا أهم من هذا، فمن الممكن للشخص كي يهرب من تحمل المسؤولية -لأن الشغل على الأهم، شاق ومتعب وفيه تضحيات- يذهب إلى الأقل أهمية ويخطئ أو يتعمّد أن يخطئ في تشخيص الأهم فالأهم. هنا أيضاً تتأكد الحاجة، في الشأن العام، إلى القيادات العارفة، الأمينة، المخلصة، الصادقة، الشجاعة، التي لا تتهرب من المسؤولية.

إذا، سأكتفي باتين الضابطتين كي أقول، نحن لن نقول كما يريدون لنا أن نقتنع بأنه لا مسؤوليات لدينا اتجاه الوضع العام، بل نحن لدينا مسؤوليات اتجاه الوضع العام، في بلدنا وفي منطقتنا وفي أمتنا وفي أي مكان من العالم، نحن لدينا مسؤوليات متفاوتة بالمبدأ، الذي يدين أو لا يعجبه فهو حر. نحن هنا في الحقيقة، لسنا أمام تناقضاً سياسياً بين قوى موجودة مع لبنان وفي المنطقة، هنا يوجد تناقض فكري وثقافي، وروحي ومعنوي، بل وأيضاً تناقض حضاري، بل وتناقض إنساني. الذي نتكلم عنه هو عقل وفطرة ودين وهم يتكلمون بشيء آخر في خدمة أسيادهم.

والملفت هنا بين هلالين؛ الذي ينظّر لك بهذه النظريات، سادتهم وكبراؤهم، مثل الولايات المتحدة الأميركية، هم يحق لهم بالتدخل أينما يريدون، وعمل أي شيء يريدونه في أي مكان من العالم، من شرق الأرض إلى مغربها، ويرسلون الجيوش ويفرضون الحروب، ويفرضون الحكام، ويفرضون الحلول، وصيغ حياة وثقافات. هم يحق لهم. لكن أنت أن تأخذ موقف، تدين، تساعد، أحياناً لا تستطيع أن تقدم سوى الكلام. ممنوع، ممنوع.

مثلاً، في حادثة مِنى، أنت لبناني ما علاقتك: هؤلاء حجاج إيرانيين، باكستان، مصريين. الآن آخر إحصاء لوكالات أنباء -ربما فرنس برس أو وكالة أخرى- أن العدد أصبح 1600 وكذا من جميع الدول، طبعاً بالسعودية ما زالوا 700. طيب، أنت ما علاقتك، أنت تستطيع الكلام فقط بالعالم الجليل سماحة السيد حيدر الحسني، هذا لبناني تستطيع الكلام، أما غير هذا فلا علاقة لك. مِنى عندك في لبنان؟ ليست عندك في لبنان. أحدهم مات عندك من لبنان؟ لم يمت أحد من لبنان. إذاً، ما علاقتك بالموضوع. لماذا تريد الكلام بالأساس. نحن وصلنا إلى هذا المستوى.


إذاً، ليس في أنه لا مسؤوليات، ولا أن المسؤوليات مطلقة إلى حد أنه عليك حمل عبء السموات والأرض هذا غير ممكن، بالنهاية يوجد موضوع القدرة، موضوع التزاحم والأولويات، والأهم فالأهم.

الخاتمة، من أعلى المصاديق التاريخية، لتحمل المسؤولية العامة، مهما كانت الأخطار والتضحيات، هو موضوع كربلاء وما فعله الإمام الحسين (عليه السلام). الإمام الحسين (عليه السلام) ابن بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، (في المدينة) وبقية النبوّة، وبقيّة أصحاب الكساء، ومحترم في الأمّة، وخير إن شاء الله، وهو قادر على البقاء في منزله، ويزور يومياً قبر النبي ويصلي، ويتكلم معهم ويسألونه ويجاوبهم، حسناً، لماذا هذه القصة كلها، لأنه أولاً الحسين (عليه السلام) كمسلم وكإمام المسلمين، لأن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال (هذا موجود عند السنّة والشيعة): الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا. كمسلم وكإمام المسلمين، هو لديه مسؤولية تجاه الإسلام كدين، وتجاه المسلمين كأمّة، وكمسلمين، كبشر، كناس، كعيال الله، كعباد الله، كخلق الله، لديه هذه المسؤولية. ومن أولى من الحسين (عليه السلام) أن يتحمل هذه المسؤولية. ثانياً، التشخيص، الأهم فالمهم، ما هو أكبر تهديد الآن يهدد الإسلام والمسلمين. مع الحسين (عليه السلام) تبين أن الموضوع، لا هو موضوع فقهي ولا أصولي ولا كلامي ولا نقاش اجتماعي ولا قصة سياسية تفصيلية كي يعالجها. تبيّن الموضوع عند الحسين (عليه السلام)، أن وجود يزيد بن معاوية بهذه المواصفات كحاكم للمسلمين وفي هذا الموقع بالذات وجده خطراً على الإسلام كدين وعلى المسلمين كبشر وكعيال الله وخلق الله وواجبه أن يمشي بالنصيحة لعباد الله وخلق الله. وبالتالي أصبح الأهم، الأعلى، الأولوية المطلقة هي مواجهة هذا الطاغية، هذا الحاكم، الذي يهدد الإسلام. انظروا، يوجد حكام ظالمين، لكنه بموضوع الإسلام هو حيادي، لا يشكل تهديد؛ يريد فقط أن يحكم. يعني قرآن، إسلام موجود، أحاديث النبي، اجتماعات علمية، حوزات علمية، فكر أصيل، بحث، تحقيق، حرية تعبير عن الرأي، لا مشكلة. الناس تصلي، أوادم، ناس تتفق مع بعضها، يصلحوا ذات بينهم، يعيشون حياة إسلامية، لا مشكلة لديه. يذهبون إلى المسجد أو يذهبون إلى الكباريه، لا مشكلة لديه. هو فقط يريد أن يحكم. هذا الحاكم أقل خطورة من حاكم يتهدّد الإسلام؛ حاكم يريد أن يسقط (أشهد أن محمداً رسول الله). أمويته وجاهليته لا تتحمل هذا الأذان. الكلام مختلف. هذه بالتحديد قصة يزيد. لذلك الحسين (عليه السلام) شعر أن هذه هي الأولوية المطلقة فقام بحركته التي قام بها.


هنا يأتي موضوع القدرة، القدرة لها علاقة بالهدف، بمعنى هل أستطيع تحقيق هذا الهدف أم لا. ما كان هدف الحسين (عليه السلام) في كربلاء؟ كان هدفه حفظ الإسلام. (كان هدفه) كان من جملة أهدافه إيقاظ الأمة وكشف حقيقة هذا الحاكم الذي لو حكم المسلمين لعشرات السنين لكانت كارثة دينية وثقافية وتاريخية وعلى كل الصعد.

حسناً، هذا هو الهدف، أو هذه هي الأهداف، من هذا القيام الحسيني، هل يستطيع الحسين أن يحققها؟ نعم، بالشهادة، لا تحتاج إلى مئة ألف مقاتل، لا تحتاج إلى مليون متظاهر، لا تحتاج إلى وسائل إعلام.

الحسين (عليه السلام) شخّص أنه بدمه وبروحه وبإخوانه وأبنائه وأصحابه، وبصوت زينب -كان يريد وسيلة إعلام واحدة، واحدة فقط- وبصوت زينب، هو يستطيع ويقدر أن يحفظ الإسلام وأن يصون الإسلام وأن يُسقط يزيد وأن يفضح هذا المشروع الجاهلي الجديد الذي جاء ليقضي على الإسلام بلباس الإسلام. ولذلك، هنا الأمانة والمعرفة للقدرة وتشخيص الأولويات.

ونحن اليوم مدعوون أن نمشي في خطى أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) كما في خطى رسول الله وأنبياء الله العظام (عليهم السلام).

نحن أيها الإخوة والأخوات، في هذه المرحلة كما في كل المراحل السابقة، معنييون جيداً أن نحدد المسؤوليات وأن نحدد الأولويات، وأن نعرف مقدّراتنا، وأن نتحمّل مسؤوليتنا على ضوء الأولويات والمقدّرات، في أي ساحة، في أي ميدان، ونمشي فيها بمعزل عن هذا الصراخ من هنا أو ذاك الصراخ من هناك.

حسبنا في هذه الدنيا، حسبنا في هذا العمر المتاح لنا، أن نؤدي رسالتنا الإنسانية، ومسؤوليتنا الشرعية، وأن نقف بين يدي الله سبحانه وتعالى بريئي الذمّة وقد أدّينا حقّ العبودية له حينئذٍ نكون جديرين بأن نحشر مع أنبياء الله وأولياء الله ومع سيد الشهداء أبي عبد الله الحسين (عليه السلام).


السلام عليك يا سيدي ومولاي يا أبا عبد الله الحسين يا ابن رسول الله وعلى الأرواح التي حلّت بفنائك عليكم مني جميعاً سلام الله أبداً ما بقيت وبقي الليل والنهار ولا جعله الله آخر العهد مني لزيارتكم السلام على الحسين وعلى علي بن الحسين وعلى أولاد الحسين وعلى أصحاب الحسين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

 

 

 

 

كلمة سماحة السيد حسن نصر الله (حفظه الله) في الليلة الخامسة من محرم 18-10-2015

عظم الله أجركم -إن شاء الله-

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا خاتم النبيين أبا القاسم محمد ابن عبد الله وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحبه الأخيار المنتجبين وعلى جميع الأنبياء والمرسلين.

السلام عليك يا سيدي ومولاي يا أبا عبد الله يا ابن رسول الله وعلى الأرواح التي حلّت بفنائك عليكم مني جميعاً سلام الله أبداً ما بقيت وبقي الليل والنهار ولا جعله الله آخر العهد مني لزيارتكم السلام على الحسين وعلى علي بن الحسين وعلى أولاد الحسين وعلى أصحاب الحسين.


السادة العلماء، الإخوة والأخوات السلام عليكم جميعاً ورحمة الله وبركاته.

قلنا أن الحسين (عليه السلام) في سنة 60 للهجرة، وأمام المستجد بعد وفاة معاوية، وفرض يزيد أميراً للمسلمين وحاكماً على الأمة الإسلامية كلها، كان أمام خيارات صعبة. تشخيص الحسين (عليه السلام) للمرحلة وللحالة أن يزيد، تثبيت يزيد في السلطة، وتكريسه، وإعطائه الشرعية، وتمكينه من التسلّط على رقاب المسلمين يشكّل خطراً على الإسلام فهو ليس كأيّ حاكم ظالم، وقد ذكرت في الخطاب الأخير، قد يكون هناك حاكم ظالم لا يحكم بما أنزل الله سبحانه وتعالى ولكنه لا يشنّ حرباً على الإسلام بل كل ما يريده في هذه الدنيا أن يحكم، أن يكون أميراً، حاكماً، سلطاناً ولكن هو لا يشنّ حرباً على الإسلام.

سأعطي مثلاً للذي يشنّ حرباً على الإسلام، سأعطي مثلاً من بلد شيعي وليس سنّي. مثلاً، عندما كان الشاه رضا بهلوي في إيران، في القرن الماضي، والذي أتى به الإنكليز ليحكم إيران، هو أتى ومنع الحجاب في إيران، منع النساء من لبس الحجاب، هذه حرب على الإسلام. منع علماء الدين من أن يلبسوا زيّ علماء الدين. شنّ حرباً شعواء على الحوزات العلمية لأنه يريد تعطيل هذه الحوزات. كان يريد تغريب المجتمع بالكامل وإبعاد المجتمع الإيراني عن كل ما يمت للإسلام بصلة حتى في المسجد، حتى في الأحوال الشخصية. هذا الحاكم، نسميه، أنه يشكّل تهديداً للإسلام ويشنّ حرباً على الإسلام.

أحياناً، الشخص -كما ذكرت في المرة الماضية- يريد فقط أن يحكم فالناس، كيف يتزوجون، كيف يتطلقون، كيف يعيشون، يصلون، لا يصلون، يدرسون الدين أو لا يدرسون الدين، الإسلام محترم، الإسلام غير محترم؛ فهو في هذا الموضوع لا يعنيه شيئاً. هذا مشكلته من نوع آخر، ولكن لا تستطيع أن تصنّفه وتقول هذا يشكّل تهديداً للإسلام ولقيم الإسلام ولبقاء الإسلام. الفرق بين الاثنين يرتّب مسؤوليات مختلفة. في الموضوع الثاني، تصبح المواجهة أو الرفض أو التعايش أو السكوت له شروط وعناصر وعوامل مختلفة تؤخذ بعين الاعتبار. أمّا في المواجهة مع الأول المسألة تصبح مختلفة؛ تسقط الكثير من الشروط، لأن الحفاظ على الإسلام والدفاع عن الإسلام وعن قيم الإسلام تصبح من أوجب الواجبات ولو اقتضى ذلك أن يُقتل في سبيله إمام المسلمين وحفيد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)؛ إذاً، الموضوعين مختلفين.

الحسين (عليه السلام) كان لديه خيارين، إمّا أن يبايع أو يرفض البيعة، ورفض البيعة يعني المواجهة مع يزيد.

الآن، هنا كل الذي سأتكلم به تاريخ. بالتأكيد سبق أن مررتم به، وممكن وربما يكون لدى بعض الحضور غير جديد ولدى بعض الحضور جديد تسمعونه في الليالي المختلفة. أنا سأضمه كله في قالب واحد وفي مشهد واحد وفي سياق واحد لآخذ بعدها العبرة التي تعنينا في مرحلتنا المعاصرة.

(الإمام (عليه السلام)، وله مكانته العظيمة في الأمّة) في ذاك الوقت. في سنة 60 للهجرة معظم الصف الأول، أي من الصحابة، -أغلبهم استشهدوا أو توفوا ورحلوا عن الدنيا- والصف الثاني؛ -هو الذي كان موجوداً- من أبناء المهاجرين والأنصار وأبناء السابقين الأوائل وبناتهم، هذه الشخصيات التي كانت تحتل الصفوف الأولى في الأمّة.

الحسين (عليه السلام)، كان أبرز شخصية في الأمّة في سنة 60 للهجرة. كانت هناك شخصيات موجودة معروفين يسمونهم العبادلة – كعبد الله بن عباس، عبد الله بن عمر، عبد الله بن الزبير، عبد الله بن جعفر بن أبي طالب. هذا النوع من الشخصيات كان موجوداً فضلاً عن محمد ابن الحنفية- لكن لا نقاش حتى بين هؤلاء، أن الذي له الوجاهة والتقدّم والاحترام الكبير لشخصه ولمكانته ومكانه من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، كان الحسين (عليه السلام).

شخص بهذه المكانة، له ناسه وله أهل بيته، وموجود في المدينة، وبيته مفتوح ويستقبل الناس، ويعيش مع الناس، ويُستشار ويُسأل، ومحترم في الأمة، كان بإمكانه مبايعة يزيد، ويحفظ مكانته ويبقى في المدينة وبيته مفتوح، والناس كلها تأتي بخدمته، وقد يحصل على موقع متقدّم أيضاً في السلطة الجديدة، ويُستشار في بعض الأمور، وتُردّ إليه بعض الأمور، ويستطيع الوساطة لمعالجة بعض الأمور، وتجبى إليه الأموال، وتُنظم فيه القصائد حتى بطلب من السلطة لأنه يكون قد بايع وانتهى، ويبقى له أولاده وأحفاده وعائلته وأخواته وأصحابه، ولا يُضام ولا يلحق به أذى، كان بإمكانه فعل ذلك. لكن الحسين (عليه السلام) لم يفعل ذلك. مثلنا نحن اليوم عندما يكون لدينا خيارات أو بعض الناس الذين لديهم خيارات؛ أنه يا أخي أنا لا أكترث لهذه القصة كلها بل أجلس بين أولادي وأخوتي وعائلتي، بيتي، عملي، وبعدها الله يدبّر. الحسين (عليه السلام) اتخذ الخيار الثاني. لماذا؟ - لما بدأت به في الكلام – أن الإمام (عليه السلام) كان تشخيصه أن مبايعة يزيد والسكوت على يزيد هو خطر على الإسلام الذي جاء به جده محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) والذي ضحّى لأجله رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته وصحابته، وقدّموا في سبيل ذلك آلاف الشهداء، وتحمّلوا آلام ومعاناة وعذابات. فإذا قُدِّر لهذا الرجل أن يحكم المسلمين وتُثنى له الوسادة فهذا خطر على الإسلام، هنا أصبح الموضوع مختلف. لا يستطيع الحسين (عليه السلام) أن يختار أن يجلس في بيته ويبايع ويسكت وكل شيء على ما يرام ويعيش حياته الطبيعية. وهو الذي كان يقول: وعلى الإسلام السلام إذْ بُليت الأمّة بمثل يزيد. وكان تشخيصه واضحاً. فالإمام (عليه السلام) اتخذ الخيار الثاني، وتحمل كلّ تبعات الخيار الثاني.

الآن، سنتكلم عن التبعات، لنرى أسوتنا وقدوتنا وإمامنا عندما يتطلّب الموقف التضحية وتحمّل الأعباء وتحمّل المسؤولية إلى أيّ حد تصل به الأمور.

أولاً، الإمام (عليه السلام) منذ اللحظة الأولى التي اتخذ فيها قرار رفض البيعة ليزيد، وضع نفسه في دائرة القتل، والتهديد الأمني، والخطر خطر التصفية الجسدية.. سنتحدث عنهم في الأدبيات المعاصرة. ولذلك عندما ذهب إلى قصر الوالي في المدينة -وكان يعلم بما سيُبلّغ- فقام بكل إجراءاته واحتياطاته مع إخواته ومع أصحابه: إذا دخلت وصار كيت وكيت؛ - تسمعون هذا في السيرة الحسينية. وحتى عندما ردّ على الوالي الأموي في المدينة ورفض بيعة يزيد وقال له: يزيد رجل كذا وكذا ومثلي لا يبايع مثله، وأصرّ الوالي والإمام الحسين (عليه السلام) رفض وقال: أُصبح وتصبحون. مروان بن الحكم موجود، قال للوالي وبحضور الحسين (عليه السلام): اقتله ولا تسمح له أن يخرج. لمن؟ للحسين ابن بنت النبي كانت الجرأة إلى هذا المستوى، اقتله ولا تسمح له أن يخرج. لكن الوالي كانت لديه وجهة نظر مختلفة وخرج الحسين (عليه السلام).

إذاً، منذ اللحظة الأولى، أصبح الحسين (عليه السلام) – كما نقول الآن – غادر منطقة الأمان وأصبح في دائرة التهديد والتصفية الجسدية. وعلى طول الطريق كان من الممكن أن يتعرّض لهذا. وحتى في مكّة، في الحرم الآمن، في مكّة ليس فقط في الحرم الآمن بل في بيت الله الحرام، بل في جوار الكعبة أرسل يزيد من الشام عشرات الشياطين وأمرهم بإخفاء أسلحتهم تحت ثيابهم وأن يقتلوا الحسين (عليه السلام) ولو وجدوه معلّقاً بأستار الكعبة. إذاً، هذا أول التبعات، أن الإمام (عليه السلام) أصبح في دائرة التهديد الجسدي وخطر التصفية وصولاً إلى كربلاء.


ثانياً، الهجرة من الوطن، من البلد الذي أحبّ المدينة المنورة، مدينة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هي الوطن الأصلي للحسين (عليه السلام) بحسب الموازين الشرعية والاجتماعية والعرفية. فالحسين (عليه السلام) وُلد في المدينة المنورة. وعاش حياته كلها، حياته وشبابه في المدينة المنورة. غاب عنها فقط تلك السنوات القليلة - سنتين أو ثلاث أو أكثر بقليل – عندما خرج مع والده أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى الكوفة وبقي في الكوفة إلى صلح الحسن (عليه السلام) مع معاوية، وبعد الصلح عاد وأمضى بقية عمره الشريف والمبارك في مدينة جدّه. المدينة بالنسبة للحسين (عليه السلام) هي مدينة جدّه وأبيه وأمه وأخيه وذكريات هؤلاء الكبار الأطهار، وهو هناك يعيش في جوار قبر جدّه (صلى الله عليه وآله وسلم). هو يغادر موطنه الأصلي ووطن إقامته ويجمع عائلته ومن معه وأمواله – وأنني أظن أنه ترك فقط الحيطان والأثاث. وأثاث المنازل في ذاك الزمن كان كله متواضعاً – جمع الكل وخرج.


إذاً، التبعة الثانية هي الهجرة، الغربة، البعد عن الوطن، البعد عن الأهل والجيران والأحبّة الذين عاش معهم عشرات السنين.


ثالثاً ما زلنا نكمل بالتبعات: - تعريض عائلته – زوجاته، أولاده، بناته، إخوته، أبناء إخوته، ليس فقط أولاده بل أولاد الحسن (عليه السلام) أيضاً، في رعايته وكفالته ومن معه تعريض للخطر طول الطريق. من حين خروجه من المدينة إلى مكة إلى الكوفة على طول الطريق، كان من الممكن أن تتمّ مهاجمة هذه القافلة المتواضعة، القليلة العدد، وقتل كل من فيها من رجال ونساء وأطفال ونهب الأموال. هذا الخطر كان محدقاً منذ اللحظة الأولى التي خرج فيها الحسين (عليه السلام) من المدينة بمعنى أنه على طول الطريق يمكن لنا أن نفترض عند النساء، عند الأطفال، عند العديد من الأصحاب مشاعر القلق، مشاعر الخوف، مشاعر الحذر والريبة إلى أن انتهى الأمر في كربلاء.


رابعاً، خذلان الناس، هذا من الآلام والمعاناة والتضحيات، الآلام النفسية الكبيرة والخطيرة التي عاشها الحسين (عليه السلام) – مثلما نحن اليوم، كل ما سأتحدث به سنفترضه تطبيقياً عندنا -.


كما أنك تشاهد اليوم أن الإسلام يُعتدى عليه، حرمات الإسلام، مقدسات الإسلام، ترى الاعتداء على الناس، الناس يُقتلون، الناس يُذبحون، ومليار وأربعمائة مليون مسلم لا يحرّكون ساكناً. ألا تتألم؟ ألا تشعر بالقهر؟ هذا بحدود معلوماتنا؛ فكيف بإمام مسلمين وبذاك المستوى من الخطر والتهديد للإسلام.


هؤلاء الناس الذي خرج الإمام الحسين (عليه السلام) ليدافع عن دينهم، عن إسلامهم، عن آخرتهم، وأيضاً ليدافع عن دنياهم، وعن كرامتهم، وعن سلامتهم، وعن أمنهم وأمانهم، لأنّ الحسين (عليه السلام) كان يعرف (بأنه إذا صُلِّت) هذا القاتل، الفاجر يزيد بن معاوية ماذا قد يفعل بالمسلمين وقد فعل. ما فعله بالمدينة المنورة، موجود في كتب التاريخ ينقله كل مؤرخي السنّة والشيعة، من مسلّمات التاريخ، أن يزيد بن معاوية أرسل جيشه إلى المدينة، وحاصر المدينة، ثم دخلها وقتل الرجال، واعتديَ على النساء. في كتب التاريخ موجود أنه بعد تسعة أشهر من تلك الواقعة، ألف بنت من بنات المهاجرين والأنصار كنّ حوامل من الاغتصاب من قبل جيش يزيد وذبحوا الناس دخل حتى إلى مسجد النبي -بالخيول دخل إلى مسجد النبي- هتكوا المقدسات، هتكوا الحرمات، اعتدوا على النساء، اغتصبوا النساء، نساء من؟ نساء المهاجرين والأنصار. وقتلوا وذبحوا؛ حتى أنه يُقال أن الأرض كلها مُلئت بالدماء. وأخذوا البيعة من أهل المدينة، مدينة الرسول أبناء المهاجرين والأنصار. جدّدوا البيعة ليزيد ليس على إمرة المؤمنين – انظروا إلى كل كتب التاريخ، الطبري، الكامل، اليعقوبي، المسعودي.. كل كتب التاريخ تشهد بذلكأخذوا البيعة من أهل المدينة على أنهم عبيد ليزيد بن معاوية. الحسين (عليه السلام) خرج كي لا يأتي هذا اليوم، ولكنهم خذلوه وتركوه.


خرج من المدينة. ولكن أين هم أهل المدينة. ساكتين، خانعين. حتى بعض النخب – عبد الله بن عباس له خصوصية، فليكن – ولكن أين بنو العباس، أين إخوته الذين كانوا يتولون الولايات في زمن خلافة أمير المؤمنين (عليه السلام). أحدهم والي مكة، وآخر والي المدينة، وآخر والي اليمن، وعبد الله بن عباس والي البصرة.. أين هم؟ حتى بعض بني هاشم، أين كانوا؟ فضلاً عن بقية الناس.


على كل حال، وصل إلى مكة المكرمة، وأيام شعبان وشهر رمضان وإلى موسم الحج، التقى بالوفود الآتية من كل بلاد العالم الإسلامي، لأن موسم الحج هو موسم اللقاء السنوي الذي يلتقي فيه المسلمون من كل أنحاء العالم وطبعاً هنا تمّ تعطيل جزء كبير من إيجابياته بسبب إدارة الحرمين الشريفين.


في كل الأحوال، التقى مع الوفود، التقى مع الناس، تفاوض معهم وشرح لهم – صحيح، منطقك صحيح، منطقك قوي - ولكن لا أحد منهم حاضر لتحمّل المسؤوليات، لا أحد حاضر للتضحية، ولا أحد حاضر لتحمل هذه التبعات، ولو من أجل الإسلام، من أجل القيم الإسلامية؛ من أجلكم ومن أجل كرامتكم، شرفكم، عرضكم، بقائكم، من أجل هذه الكعبة التي سوف يأتي يزيد مجدداً ليحاصرها ويقصفها، هذا هو الوضع الصعب الذي كان سائداً في ذاك الوقت؛ أن حالة الأمة العامة كانت حالة خنوع، سكوت، خضوع ويأس وإحباط، ولكن يبدو أنها كانت بحاجة إلى دم بمستوى دم الحسين (عليه السلام) ليهزّها ويحرّكها.


(
أحد أسباب) عندما يأتي سؤال، عادةً، لماذا الإمام ذهب إلى الكوفة؟ ولماذا لم يذهب إلى البصرة؟ لماذا لم يبق في المدينة؟ ولماذا لم يبق بمكّة؟ لماذا لم يذهب إلى اليمن؟ هذه من حواضر المسلمين الكبرى. لماذا لم يذهب إلى أي مكان آخر إلا إلى الكوفة؟ طبعاً هذا له بحث طويل ولكن من أهم الأسباب، أنه اتصل بالجميع، وتكلم مع الجميع، وبعث رسائل للجميع ومع هذا لم يلقَ جواباً لم يقل له أحد: تفضل، نحن معك ننصرك، نبايعك، نقف إلى جانبك، إلا من الكوفة. هذه أحد الأسباب. والإمام (عليه السلام) لا يستطيع أن يفرض نفسه على أحد، لا على أهل المدينة الساكتين الخانعين، ولا على أهل مكة ولا على أهل البصرة ولا على أيّ حاضرة من حواضر المسلمين. نعم، الكوفة وحدها هي التي أرسلت له بعشرات الآلاف أو بمئات وآلاف الرسائل التي تعبر عن رغبة عشرات الآلاف وآخرها كان: "أنْ أقدم علينا يا بن بنت رسول الله فإن الكوفة لك جندٌ مجنّدة" ولذلك قامت الحجّة هنا. الحسين (عليه السلام) يمضي إلى الكوفة مع كل معرفته بالأخطار والاحتمالات والظروف، لأنّ الكوفة هي الوحيدة التي أعلنت نصرتها وأبدت استعدادها للوقوف معه في هذه المسؤولية التاريخية العظيمة.

فإذاً هذا كله مؤلم. هذا الخذلان هذا السكوت، هذا الخضوع، هذا يضغط على أعصاب وعلى قلب وعلى عواطف الإمام الحسين (عليه السلام).

خامساً، الغدر والخيانة، والتخلي عن العهود والبيعة. في الأساس الذين خذلوه وتركوه، وأصلاً لم يلتحقوا به لا نلومهم لكن الذين بايعوه والذين التحقوا به ومشوا في قافلته. ساروا معه من مكّة باتجاه العراق باعتقاد أن الكوفة – طبعاً الكوفة كانت مدينة مهمة جداً في التاريخ الإسلامي في ذلك الوقت - لم تكن فقط المدينة فمن يمسك بالكوفة بمسك بجزء كبير من العراق وهذا يعني أن الإمام الحسين (عليه السلام) ذاهب إلى الكوفة ليكون لديه سلطة وبالتالي لديه مناصب يوزعها، أموال ينفقها، وسلطان يمارسه وما شاكل.. فالتحق به كثيرون. عندما جاء النبأ بأن مسلم بن عقيل (رضوان الله عليه) قد استشهد، وأن أهل الكوفة قد نكثوا بيعتهم للحسين (عليه السلام). فالحسين (عليه السلام) – وهذا نمط الإسلام وهو صريح مع الناس، لم يخدعهم ولم يغشهم - قام وأخبر الناس وقال لهم، أيها الناس أنتم سرتم معي وبنائكم أننا إلى الكوفة ولكن اليوم وصلنا خبر بأنه حدث كيت وكيت وكيت -أن مسلم بن عقيل وهاني بن عروة قد استشهدا وهؤلاء الذين بايعونا قد نقضوا بيعتنا- فأنتم أحرار فالذي يريد أن يبقى فليبقى والذي يريد الذهاب فليذهب. فمشى الأغلب، والأكثر، والحسين (عليه السلام) ينظر إليهم بحسرة، يتحسّر على آخرتهم، ويتحسّر على دنياهم.


وصولاً إلى كربلاء، عندما يقف في وجهك ويحاصرك ويقاتلك من أرسل إليك يبايعك ويطلب منك القدوم. أليس هذا أمر محزن جداً ومؤلم جداً. هذا الذي حصل مع الحسين (عليه السلام). وهو أخرج لهم الرسائل، أتى ومعه كل الرسائل. فتح الصناديق، يا فلان، يا فلان، يا فلان، بالاسم. وهم ينكرون ويجحدون، كاذبون.

سادساً، ما كان يعيش في محيط الحسين (عليه السلام) -في المدينة، في مكة، وعلى الطريق وفي داخل الكوفة- أيضاً من تخذيل وتثبيط للعزائم. ليس فقط كانت الناس في حالة سكوت، بل إذا كان من أحد لديه نية في التجاوب ونية للتحرك والاستجابة، كانت تأتي النخب – النخب العلمية والثقافية والاجتماعية والعشائرية والسياسية – وتثبط الناس عن نصرة الحسين (عليه السلام). حتى كانت الزوجة تأتي إلى زوجها، والأم إلى ابنها، والأب إلى ولده، وزعيم العشيرة إلى عشيرته، وأصبح شراء الذمم عجيب غريب في ذاك الزمن – شراء الذمم شيء قديم – تم شراء الذمم وشراء مفاتيح الناس حتى أن البعض من الناس – (على العجالة) بدواً، (للوهلة الأولى) - كان لديهم الرغبة والاعتقاد بنصرة الحسين (عليه السلام) ولكن أثّرت عليهم أجواء التخذيل والتثبيط التي مارسها الكثيرون في هذه الحواضر وصولاً إلى الكوفة. هذا كله كان تحت مرأى ومسمع أبا عبد الله الحسين (عليه السلام).

وصلنا إلى كربلاء. ما عاناه الحسين (عليه السلام) في أرض كربلاء. هنا ندخل على التضحية في عناوينها العليا والأبرز والمباشرة.


1)
حصار مطبق بلا أي منفذ: انعدام وصول المدد أو المساعدة أو الطعام أو الشراب أو أي شيء كون الحصار محكم جداً.

2) منعه من الماء. منع الماء عنه وعن عياله ثلاثة أيام.

تصوروا إخواني وأخواتي، أنكم أنتم وعيالكم وأطفالهم في بلد ما، في موقعة ما ومحاصرين ثلاثة أيام بلا ماء. ماذا يفعل العطش بالإنسان؟ فالإنسان لا يتحمل العطش لساعات. ثلاثة أيام من العطش والماء يجري في جوارهم في نهر الفرات. ويشرب منه من يشرب. ويُحرم منه ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وسيد شباب أهل الجنة.


3)
المحاولات المتكررة حتى في الأيام الأولى لحرق الخيام وفيها النساء والأطفال، وما يتركه هذا من ذعر وخوف وهلع.


4)
الإهانات والشتائم والكلام القبيح الذي كان يصدر من هؤلاء بحق الحسين (عليه السلام) ومَنْ مع الحسين (عليه السلام).

5) التهديد والوعيد الدائم، - نريد قتلكم، نريد ذبحكم، نريد سبيكم... أو تنزلون على طاعة وبيعة يزيد وابن زياد -.

وصولاً إلى القتال غير المتكافئ؛ 72 رجل في أحسن الأحوال. (بعض المحققين حقق بموضوع الأعداد) قد يصل العدد إلى 100 أو 120، ممكن أن تكون هذه الأرقام منطقية، ولكن المشهور والمتداول والمعروف 72، مع عدد قليل من النساء والأطفال. هؤلاء محاصرون من كل الجهات ويهاجَمون من كل الجهات. المقلّ يتحدث عن خمسة آلاف مقاتل، والبعض يصل بالعدد إلى 30 ألف والبعض يزيد على ذلك، لكن لنأخذ الأقل، والأكثر عند الحسين لنفترض 100 أو 120 مع أن العدد المعروف 72. والأقل في الجيش المقاتل 5 آلاف، يحاصرون هذه المجموعة الصغيرة القليلة العدد (وهو مضى إلى هذا القتال) وفي كل لحظة، يُعرض عليه أن يتراجع وأن يقبل البيعة ليزيد وأن يمدّ يده ليزيد ابن معاوية.


وصولاً إلى القتال والتضحيات الفعلية. في كربلاء، أيها الإخوة والأخوات، هنا أيضاً لنقيسها على أنفسنا ولنفترضها على أنفسنا، والذي يستطيع أن يفهم هذا الموضوع أكثر بالوجدان، الجميع يستطيع فهمه، ولكن الذي قد يعيشه أكثر بالوجدان هم عوائل الشهداء - عائلة الشهيد التي قدمت ابنها شهيداً، أو الزوجة التي فقدت زوجها شهيداً، أو الأب الذي قدم ولده شهيداً أو أكثر من شهيد – يستطيع أن يفهم بالوجدان، بالمشاعر، بالعواطف حالة أبا عبد الله الحسين (عليه السلام) في يوم عاشوراء.

الحسين (عليه السلام) تقدّم أصحابه واحداً تلو الآخر، قُتلوا بين يديه، وهو يراهم بأمّ العين – لم يرسلوا له خبر أو برقية هو رآهم، لم يأت إليه وفد بالخبر –. ثم عائلته وأهله، وأوّلهم عليّ الأكبر. (أولاده)، قدّم جميع أولاده من عليّ الأكبر إلى الطفل الرضيع، السجّاد (عليه السلام) له خصوصية كان يعاني من المرض وفي حفظ الله سبحانه وتعالى لمهمته المعروفة. أولاد الحسن (عليه السلام)، هم أولاد الإمام الحسين (عليه السلام) في التربية والتنشئة، عاشوا مع الحسين (عليه السلام) ونشأوا في ظلّه، تقدّموا الواحد تلو الآخر. إخوة الحسين يتقدمون الواحد تلو الآخر. أبناء الإخوة. أبناء العمومة. وهو يراهم ويسمع نداءهم ويرى أجسادهم التي تقطّع. والإمام (عليه السلام) لم يتردّد ولم يتراجع. حتى الطفل الرضيع الذي قُتل بين يديه – تصوّر أن طفلاً بين يدي أحد ما، والطفل عطشان ويأتيه سهم يذبحه من الوريد إلى الوريد، تصوّر بأن هذا قد حدث مع طفلك -. كل هذا يجري في وقت واحد، بشكل مكثّف، في ساعات قليلة.

الحسين (عليه السلام) في ذاك الوقت، هو يعرف جيداً ما سيؤول إليه حال النساء بعد ساعات. ماذا سيجري على زينب وأخوات زينب والأيتام. هذا ألم كان يعيشه في تلك اللحظات. كلّ ما لديه في هذه الدنيا، هو كان موجود في كربلاء، ومضى وذهب. هذه الآلام اجتمعت عليه في ساعات قليلة. الشهداء، بكاء الثكالى والأيتام الذي كان يملأ مسامع أبي عبد الله الحسين (عليه السلام)، هذا كان يشكّل ضغط قوي وكبير عليه، إلى أن دخل هو في القتال المباشر.

في القتال المباشر، الإمام (عليه السلام)، قاتل بشدّة وأصيب بأعداد كبيرة من الجراح، مئات الجراح والبعض يقول آلاف الجراح. في بعض الروايات، بأنه لم يبق مكانٌ في جسد الحسين (عليه السلام) إلا وأصيب بالجراح وتحمّل آلام الجراح وصولاً إلى آلام الذبح، إلى أن جاد بنفسه والجود بالنفس أقسى غاية الجود. ما بعده، الألم على زينب وعلى زين العابدين وعلى البقية. قطع رأس الحسين (عليه السلام). رضّ جسد الحسين (عليه السلام) بحوافر الخيول. بقاء جسد الحسين (عليه السلام) في الصحراء تحت أشعة الشمس لأيام. الحسين انتهى منه، أَنتقل إلى الجزء الثاني من المسيرة.

حتى هذه اللحظة ماذا تقول، تقول الحسين: تقدّم (عليه السلام) بالتضحية، كل شيء يستطيع أن يقدمه لله عزّ وجلّ وفي سبيل الله ودفاعاً عن دين الله عزّ وجلّ، قدّم.

هل هناك قولٌ أو فعلٌ أو مالٌ أو دمٌ أو عزيزٌ أو موقفٌ أو... يمكن أن يقدمه الحسين (عليه السلام) وبخل به، أبداً. قدّم كل شيء وفي قمّة الألم. ومن أجل أي شيء؟ رضا الله عزّ وجلّ وفي سبيل الله وعلى ملّة رسول الله ودفاعاً عن دين الله وليس طلباً للدنيا والجاه ولو كان طالب دنيا أو جاه لكانت الخيارات الأخرى هي المتبعة. هو مشى في طريق الشهادة لرضا الله عزّ وجلّ. أداءً لتكليفه الإلهي الذي تعلق به والذي سيُسأل عنه يوم القيامة.

الحسين (عليه السلام) يقول: خُطَّ الموت على ولد آدم مخطَّ القلادة على جيد الفتاة، وما أولهني إلى أسلافي - يتحدث عن شوقه إلى آبائه، إلى أجداده، إلى الذين مضواوما أولهني إلى أسلافي، اشتياق يعقوب إلى يوسف، لا محيص عن يوم خطّ بالقلم، كأني بأوصالي تقطّعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء أو نينوى إلى أن يقول: رضا الله رضانا أهل البيت – أي ما يرضاه الله لنا ما يختاره لنا ما يكلّفنا به ما يقرّبنا منه هو الذي نرضاه ليس فقط نسلّم ليس فقط نطيع ليس فقط نلتزم بل نرضى بما يرضاه الله سبحانه وتعالى – رضا الله رضانا أهل البيت نصبر على بلاءه ويوفينا أجور الصابرين هذا الذي ذهب بالحسين (عليه السلام) إلى كربلاء.


يأتي الجزء الثاني، زينب وأخوات زينب، وزين العابدين (عليه السلام) وما جرى عليهم أيضاً.


أنا أقول لكم، لو كان تكليف النساء في كربلاء أن يقاتلن، لقاتلن ولقضين شهداء ولكن لم يكن هذا تكليفهن. الإمام الحسين (عليه السلام) منعهنّ من القتال. لهنّ مسؤولية أخرى وتكليف آخر.

حال زينب، وحال النساء في كربلاء. تصوّروا هذه النسوة، الأمهات والزوجات والأخوات، هنّ أيضاً شاهدن بأمّ العين - الأم عادةً، والزوجة، والبنت عاطفتها جياشة أكثر من الرجال – شهادة ومقتل أحبائهم، أبنائهم، أزواجهم وإخوانهم.

تحملوا كل الآلام التي حصلت بعد ذلك. الهجوم على المخيم – جماعة متوحشة وهجمت على المخيم – لتنهب ماله وما فيه. لم يرحموا حتى البنات الصغار – موجود هذا في التاريخ، حتى عندما كانوا يجدون بعض الحلي في آذان الفتيات، لم يكن لديه الوقت لفك الحليّ فيقطع لها أذنها – هؤلاء بنات رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، هؤلاء بنات أمير المؤمنين (عليه السلام). هذا ما كان يجري وعلى مرأى وأمام النسوة.

الجلد، والضرب، والشتم، والإهانة، والسبي. وحين الوداع، الأجساد المطروحة والمقطعة وبلا رؤوس، مجموعة من النساء الأرامل والثكالى والأيتام بلا حامي وبلا كفيل بين يدي القتلة السفلة والمجرمين. والقافلة تسير ورؤوس الأحبة على الرماح – المأساة حاضرة في كل لحظة وفي كل دقيقة - وهم تعمّدوا أن يرفعوا الرؤوس على الرماح أمام قافلة السبي لمزيد من إلحاق الألم والجراح بهذه العائلات الشريفة.


دخول الكوفة، واستعراض الوجوه في الكوفة، بكاء الضعفاء وشماتة الأعداء. هذه الكوفة التي كانت فيها زينب قبل سنوات كانت بنت الخليفة التي يطلب كل أهل الكوفة رضاها والقرب منها؛ زيارتها ولقائها.

مجريات الكوفة، مجريات المسير من الكوفة إلى دمشق وما جرى في الشام والآلام والأحزان. وجرأة البعض على أن يتملّك بنت الحسين ويأخذها أَمَةً له – كما يفعل الآن هؤلاء الدواعش – وخطاب زينب القوي الشديد بين يدي يزيد. وخطاب زين العابدين. وفي نهاية المطاف، العودة إلى المدينة بحدّ ذاته قصة ثانية؛ والتي تسمعونها عادة في السيرة الحسينية.


الآن، هذان الجزءان، في الجزء الأول مع الحسين (عليه السلام) حتى آخر لحظة، الحسين (عليه السلام) لم يتزلزل، لم يتزحزح، لم يتراجع مع أن الباب أمامه كان مفتوحاً. في البدء، عندما رأى العطش والجدية وأنهم مقتولون لا محالة؛ بايع؟ لم يبايع. عندما قُتل الأصحاب، ليحفظ إخوته وأبنائه وعائلته؛ بايع؟ لم يبايع. حتى لينجو بنفسه لم يبايع. والحسين (عليه السلام) مضى حتى آخر لحظة لأنه كان على بصيرة من أمره، كان على بيّنة من أمره، كان لديه وضوح شديد بتكليفه وبما يرضي ربه عزّ وجلّ.

وزينب (عليها السلام)، كل المصائب التي واجهتها وعاشتها وكل ما سمعت طوال الطريق، من شتائم، ومن إهانات، ومن تخذيل ومن أذى، لم يحدّ لا من عزم زينب ولا من إرادتها ولا من صلابتها، ولا من يقينها وبصيرتها، ورؤيتها وإيمانها. وقالت قولتها المشهورة بين يدي السلطان الجائر – أليس في الحديث المشهور والمعروف بين المسلمين سنّة وشيعة أفضل الجهاد عند الله كلمة حق عند سلطان جائر -، قالتها زينب بين يدي يزيد وفي الشام وفي دمشق، في قصره الأموي وبين زبانيته وحدّثته عن المستقبل: كد كيدك واسعى سعيك وناصب جهدك فوالله لا تمحو ذكرنا ولا تميت وحينا. ولم تتراجع، ولم تهن، ولم تتزلزل.


هذه هي المدرسة – لقد جمعتهم كلهم في قالب واحد لأخذ النتيجة التالية – هذه هي مدرسة البصيرة، ومدرسة الإيمان واليقين، وأيضاً هي مدرسة الالتزام، هي مدرسة تحمّل المسؤولية وعدم التهرّب من المسؤولية، وهي مدرسة تحمّل التبعات المتوقفة على المسؤولية مهما كانت هذه التبعات عظيمة، هي مدرسة الوفاء لله ولرسوله ولدينه، هي مدرسة الثبات أياً تكن التهديدات والمخاطر والصعوبات التي تواجه الإنسان في الطريق وحجم التضحيات الجسيمة، فلا يتراجع، ولا يضعف، ولا يهن، ولا يتزلزل، لا في السلوك ولا في الأداء، ولا في الصوت ولا في الموقف المعلن، ولا في الميدان، ومدرسة تضحية. هذه المدرسة التي تَعلّمنا منها وتَعلّمت أجيال المسلمين، بعد ال61 للهجرة تعلّمت منها دروس التضحية، التضحية بكل شيء في سبيل الله وفي سبيل دين رسول الله، وملّة رسول الله وأمّة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).


هل يوجد شيء أكثر إلهاماً من هذه المدرسة، أكثر قدرة على التحريك والتثوير والاستنهاض. وهذا الذي شهدناه ونشهده على مدى قرون. واليوم، أيضاً، ما نعيشه هو من بركات هذه المدرسة في كل الأبعاد من بصيرة، من رؤية، من يقين، من إيمان، من وفاء، من ثبات، من تحمّل، من صبر، من استعداد للتضحية ومن تسليم لأمر الله ورضا بمشيئة الله وقضائه وقدره واختياره واصطفائه.

ألا تجدون هذا أيها الإخوة والأخوات في عوائل الشهداء؟ في الأمهات، في الآباء، في الزوجات، في الأبناء، في البنات، في الجرحى، في المجاهدين، في هذه البيئة الحاضنة، في هذا الخيار الحسيني الجهادي، العزيز والشريف والكريم.


من أين تعلّمنا؟ من أين تعلم آباؤنا وأمهاتنا وزوجاتنا وبناتنا وأبناؤنا وإخواننا وأخواتنا؟ كل هذه الكلمات التي نسمعها، عندما نخبرهم بشهادة عزيزهم، أو عندما يشيّعون شهيدهم، هذه هي المدرسة. هذا ليس كلام نظري، ليس كلام كُتب في الكتب، هذه حادثة، واقعة، حصلت في التاريخ وتجسّدت في التاريخ، ونُقلت لنا بالتواتر عبر الأجيال بشكل ملفت وغريب ودقيق أيضاً.

اليوم، أيها الإخوة والأخوات، نحن في نفس الموقع، عندما كنا نقاتل إسرائيل، نقاتلها كنا في نفس الموقع ونبقى نقاتلها وعندما استجدّ الآن هذا المشروع التكفيري الإرهابي الدموي التدميري التفتيتي، مشروع القتل والذبح والدمار والخراب والسبي. فلنذهب للتشخيص، هل نحن أمام جماعة ظالمة، جماعة معتدية، جماعة مجرمة، فقط، لا. نحن أمام جماعة تشكل خطراً على الإسلام - هنا ما كنت أتحدث عنه خصوصية 60 للهجرة هذا المشترك مع زمن الحسين (عليه السلام) – هذه الجماعة بما تقول وبما تعلن وبما تقدم وبما تمارس وبسلوكها وأفعالها وجرائمها ومجازرها تشكّل أكبر خطر تاريخي وأكبر خطر معاصر على الإسلام، على دين الإسلام، على دين محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، على القرآن الكريم، على سنّة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). أنا سمعت من أحد كبار علماء السنّة وفقهائهم المعاصرين، ولا يجوز لي هنا أن أقول اسمه، كان يقول لي منذ سنوات: إذا كان هذا الذي تفعله طالبان وأمثال طالبان – وقتها كانت طالبان ولم تكن قد ظهرت داعش كي أكون دقيق بالنقل – إذا كان هذا هو الدين فأنا أول كافر بالدين. وهذا منطقي، هل يُعقل أن يكون هذا هو الدين؟ أيّ دين؟ هل يمكن أن يكون هذا دين سماوي؟ هل يعقل أن يكون هذا هو دين إلهي؟ هل يعقل أن يكون هذا دين نزل على قلب نبيّ أيّ نبيّ؟ فضلاً عن أن يكون هذا هو دين الإسلام وأنه نزل على قلب محمد ابن عبد الله سيد الرسل وخاتم الأنبياء؟! مستحيل.

لكن الذي يجري الآن هو الإساءة إلى هذا الدين؛ هذا الإسلام وهذا سيؤدي إلى أن لا يقبل أحد الإسلام في العالم بل سيؤدي إلى ارتداد المسلمين عن الإسلام، إذا كان هذا هو الإسلام.


لذلك المعركة اليوم، في بعدها الحقيقي والأعلى، كمعركة الحسين مع يزيد. هي معركة الدفاع عن الإسلام، عن قيم الإسلام، عن صورة الإسلام، عن تعاليم الإسلام، عن إشراقة الإسلام، وصفاءه ونقاءه، ونورانيته، وعقلانيته، وفطريته، وإلهيته، وعظمته، وعدالته هذه المعركة التي تخوضونها اليوم أنتم وكل من يشارك في هذه المعركة.

نعم، إلى جانب ذلك في الدرجة الثانية، هي دفاع عن المسلمين وعن الشعوب في المنطقة، وعن الكرامات، والأعراض، والنساء، والأموال والمقدّسات، لأنّه من غير المعلوم ماذا سيفعلون بالمقدّسات، غير معلوم. فقط إسرائيل هي خطر على المسجد الأقصى؟ من لديه ضمانة بأن داعش لن تهدم المسجد الأقصى؟ من لديه ضمانة بأن داعش لن تهدم الكعبة بهذا الفكر وبهذا العقل؟

إذاً، اليوم المعركة هي نفسها، تماماً، في بعدها العالي وفي بعدها الآخر وهذه مسؤوليتنا. أين نكون نحن؟ نستطيع أن نختار مثلما اختار الكثير من الناس في سنة 60 للهجرة، - خنوع، خضوع، سكوت، هدوء، وكل شخص يهتم بأهله وماله وعندما يأتيه الموت فليأتي. ولم يطل به الحال لا على أهل المدينة، (لأنه في السنة الثانية) ولا حتى على أهل الكوفة -، أو أن نحمل مسؤولية من أجل آخرتنا، من أجل ديننا ومن أجل دنيانا أيضاً ومن أجل كرامتنا ووجودنا.

نحن اخترنا أن نحمل المسؤوليات، ونحن اخترنا أن نحضر في الميادين منذ سنوات، ونحن نقدّم التضحيات الجسام على هذا الطريق. لقد شرحت لكم هذا الشرح لأقول لكم أيضاً من جملة نتائج الحديث، أن هذه المعركة تستحق التضحيات مهما غلت وبلغت، كما حصل في كربلاء.


في أحد الأيام قلت كلام في لقاء داخلي، تم تسريبه إلى الإعلام، بعدها تم تسريبه بشكل غير دقيق، وبعض المثبطين حاولوا أن يستفيدوا منه بشكل سيئ. لكن أنا أقول لكم بكل حقيقة، هذه المعركة تستحق كل شيء، أن يجود الإنسان فيها بكل شيء، بماله، بروحه، بنفسه، بأولاده، بأهله، بعياله لأنها معركة الدفاع عن الإسلام.

لو قُدِّر لهؤلاء أن يحكموا هذه المنطقة وأن يسيطروا عليها وأن يقيموا خلافتهم المزعومة سيكون هذا أكبر خطر على الإسلام كدين وقيم ورسالة، فضلاً أنه سيكون خطراً على المسلمين، وشعوب المنطقة مسلمين ومسيحين ومقدّسات.

ولذلك، نحن مضينا في هذه المعركة على بصيرة من أمرنا، لدينا يقين، لدينا إيمان، وهذا الذي نجده عند عوائل الشهداء، وبصدقْ (اليوم)، نعم أنتم الذين كنتم تقولون على مدى عشرات السنين ومئات السنين الأباء والأجداد والأجيال، كنتم تقولون: يا ليتنا كنا معكم فنفوز فوزاً عظيماً، اليوم نحن معكم وفي معركتكم ونفوز فوزاً عظيماً. الأباء والأجداد والأجيال كانت دائماً تتمنى أن يأتي الزمن التي تصبح فيها أمام ميدان كميدان الحسين (عليه السلام) ومعركة كمعركة الحسين (عليه السلام) حتى يقفوا في المعركة وفي الميدان ليقولوا له بحق: لبيك يا حسين. وهذا الزمن قد جاء.

اليوم، أمهات الشهداء، أباء الشهداء، زوجات الشهداء، عوائل الشهداء، أبناء الشهداء وبنات الشهداء، يقدمن ويقدمون النموذج الراقي والمشرق والشريف والمتلألئ عن تلك العائلات التي صمدت وصبرت وضحت ووقفت مع الحسين (عليه السلام) في كربلاء.

طبعاً، نحن نواجه سيل من العوامل المشابهة في سنة 60 للهجرة، سيل من التثبيط والتخذيل – بأن ليس لكم علاقة، وأين أنتم ذاهبون، وماذا تفعلون (واحد. اثنان) نقاش بالجدوى، كما نوقشَ بالحسين (عليه السلام) بجدوى الذهاب إلى الكوفة نقاش بالجدوى: أن هذه المعركة التي دخلتموها ما الجدوى منها وما نفعها. كما ناقشوا بجدوى المقاومة ونفعها خلال عشرات السنين. ثالثاً، التوهين بالإنجازات والانتصارات والنتائج التي تحققت حتى الآن من صمود ومن ثبات. من أوضح النتائج أن دماء الشهداء وحضور المجاهدين في جبهات القتال، في كل الجبهات، وكل الذين يجاهدون ويقاتلون منعوا هذا المشروع من النجاح، منعوه من السيطرة، وهذا من أهم الإنجازات الملموسة. التوهين بالإنجازات. تكثير الإشاعات الكاذبة – عندما تفتحون مواقع الإنترنت والصحف والمجلات والمقالات والتحليلات تسمع وتقول: "خربانة بحزب الله" الخلافات شديدة داخل حزب الله حول الموقف من سوريا. التخلف عن الذهاب إلى الجبهات. حزب الله يعاني من الشباب وخاصة قصة الشاب الصغير في السن الذي استشهد في مخيم في الجنوب وقالوا بدأ الحزب بإرسال صغار السن. حالة من الخيبة والتشاؤم واليأس والإحباط تسود بيئة حزب الله وجمهور حزب الله نتيجة الخسائر في سوريا. وما أكثر السوالف والأكاذيب.

والليلة أريد أن أقول لهم وإن شاء الله سأعيدها ليلة العاشر ويوم العاشر: حزب الله وجمهوره وبيئته ومجاهدوه ومسؤولوه وعائلته وعوائل شهدائه وجرحاه وكلهم... صغيرهم وكبيرهم كما كانوا في مواجهة إسرائيل على قلب رجل واحد، هم في هذه المعركة على قلب رجل واحد، ولن يتخلّف منهم أحد. على المثبّطين والمخذّلين، المنافقين والكاذبين والذين يتقنون الكذب أن يموتوا بغيظهم وبخيبتهم وبيأسهم. والأيام والأسابيع والشهور والسنين ستشهد على هذه الحقيقة؛ ويوم العاشر من هذا العام أيضاً سيشهد على هذه الحقيقة أن الذين سيخرجون يوم العاشر ويقولون للحسين، لبيك يا حسين، سيقولونها لكل معارك هذه المقاومة الشريفة.

إن ما يقومون به هو تكبير حجم الخسائر والتضحيات: بعدّ الشهداء ونشر صور الشهداء، ويكثرون من أعداد الشهداء في أحد المرات كنت أمزح فقلت لهم أن الأخ لدينا عنده اسم حقيقي؛ مثلاً اليوم مثل الشهيد حسن الحاج اسمه حسن الحاج ويلقبونه بالحاج ماهر وأبو محمد الإقليم أي أصبح لديه ثلاثة أسماء وليس واحد، بينما هم يضربون الواحد بثلاثة، طبعاً نحن عندنا الواحد بيسوى ألف فمن هذه الجهة معهم حق –. تكبير حجم الخسائر، وأرقام خيالية تُنشر، من أجل المسّ بعزيمتنا وبجمهورنا.

ونحن نقول لهم في هذه الليلة، هذه المعركة لو استشهد فيها من استشهد – فلستمعوني جيداً – لو استشهد فيها من استشهد، وجُرح من جُرح، وضحى من ضحى، لن نتركها ولن نخلي ساحاتها حتى النصر أو الشهادة.

نحن سنواصل طريقنا الجهادي الحسيني حتى النهاية كإمامنا الحسين (عليه السلام)، وسيدتنا زينب (عليها السلام)، لن نتزلزل ولن نتراجع، وعلى بصيرة من أمرنا وسيخيب كل المراهنين على انكسار إرادتنا ووهن عزيمتنا وعندها وبعدها لكل حادث حديث.

السلام عليك يا سيدي ومولاي يا أبا عبد الله يا ابن رسول الله وعلى الأرواح التي حلّت بفنائك عليكم مني جميعاً سلام الله أبداً ما بقيت وبقي الليل والنهار ولا جعله الله آخر العهد مني لزيارتكم السلام على الحسين وعلى علي بن الحسين وعلى أولاد الحسين وعلى أصحاب الحسين.

والسلام عليكم جميعاً ورحمة الله وبركاته.

 

 

كلمة سماحة السيد حسن نصر الله (حفظه الله) في الليلة السابعة من محرم 20/10/2015

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا خاتم النبيين أبي القاسم محمد بن عبد الله، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحبه الأخيار المنتجبين وعلى جميع الأنبياء والمرسلين.

السلام عليك يا سيدي ومولاي، يا أبا عبد الله الحسين، يا بن رسول الله، وعلى الأرواح التي حلّت بفنائك، عليكم مني جميعاً سلام الله أبداً ما بقيت وبقي الليل والنهار، ولا جعله الله آخر العهد منّا لزيارتكم.

السلام على الحسين، وعلى علي بن الحسين، وعلى أولاد الحسين، وعلى أصحاب الحسين.

السادة العلماء، الإخوة والأخوات السلام عليكم جميعاً ورحمة الله وبركاته. ونخصّ بالذكر هذه الليلة هذا الجمع الكريم من إخواننا جرحى المقاومة الإسلامية الذين لبّوا نداء أبا عبد الله الحسين على مدى عشرات السنين وما زالوا موجودين في الميدان وقدّموا جراحهم وهم كانوا عشاق الشهادة. في هذه الليالي الحسينية المباركة نفتخر بوجودهم بيننا في مجمع سيّد الشهداء ونرحّب بهم بالصلاة على محمد وآل محمد.


قال الله تعالى في كتابه المجيد ﴿أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (الزمر: 9.

في الليالي الماضية، تحدّثنا عن مسؤولياتنا تجاه الأمّة وقضايا الأمّة وفي هذه الدنيا. أودّ في هذه الليلة وفي الخطبة المقبلة إن شاء الله أن أتحدّث عمّا يتصل بالآخرة، ويوم القيامة، والعالم الآخر، وعن مسؤولياتنا في هذه الدنيا تجاه الآخرة.

وفي الحقيقة، فإنّ ما حصل في كربلاء من أحداث ومن نتائج يعود بالعمق، في الأسباب الأساسية؛ في الجذور؛ في الأصول إلى هذه المسألة: مسألة الدنيا والآخرة، والنظرة إلى الآخرة، والتعاطي مع الآخرة سواء في هذا المعسكر أو في ذاك المعسكر.


هناك حقيقة يُجمع عليها الناس، من زمن آدم (عليه السلام) . وسيبقى الناس يُجمعون عليها. وهذه ليس فيها مكابرة، وهي حقيقة الموت ؛ بأننا كلنا ميّتون. الآن، في كامل الكرة الأرضية مستحيل أن بشرا عاقلا يقول لك : أنا خالدٌ، أبديٌ، سرمديٌ لن أموت. المؤمن والملحد، الذي يؤمن بوجود الله والذي لا يؤمن بوجود الله، المشرك، العابد للأوثان، العابد للحجر ؛ الناس طوال التاريخ وإلى قيام الساعة، يُجمعون على هذه الحقيقة . وهذا الموت هو الذي قهر الله به عباده : " الذي قهر به عباده بالموت والفناء".


السؤال الكبير ماذا بعد الموت؟ إذاً ،نحن أمام حقيقة لا مفرّ منها، لا نقاش فيها، أنت مهما كان إيمانك، فكرك، عقيدتك، خلفيتك العقائدية، عندك دين أم لا ؛ المحسوم أنك سوف تموت.

ماذا بعد الموت؟ هذا سؤال عقلي، سؤال منطقي، سؤال طبيعي، سؤال مشروع أم لا؟

ماذا بعد الموت؟ ماذا بعد موتنا كأشخاص. إخواننا وأهلنا الذين ماتوا والدنيا ما زالت قائمة، هؤلاء إلى أين ذهبوا؟ وماذا ينتظرهم؟ وكذلك ماذا بعد هذه الدنيا عندما تنتهي؟ وهذا الكون عندما يزول؟ وأيضاً البشرية تُجمع، والعلماء يُجمعون على أنّ الكون يسير نحو نهايته الطبيعية، نحو موته الطبيعي وحتفه الطبيعي. ماذا بعدها؟

ما نراه ونعرفه جميعاً . كلامنا الآن كله وجدان وسهل وبسيط. على الرغم من أن هذا البحث عادةً له بُعد؛ أحياناً، كلامي وفلسفي ومنطقي إلى آخره . لكن باعتبار مجلسنا مجلس متنوّع والأعمار فيه مختلفة فمسؤوليتي أن أوصل الفكرة وأبسط الموضوع إلى أبعد الحدود. ولذلك سأتجنّب المصطلحات العلمية والكلامية والفلسفية وسنذهب إلى الموضوع كما هو في الحقيقة.

نحن خارجاً، ماذا نرى؟ عندما يموت الإنسان ــ وكل يوم الناس يموتون ونراهم ــ نصبح أمام جثة هامدة، لا روح ولا نفس. النفس أو الروح خرجت من هذا الجسد وقد يكون سالم الأعضاء تماماً، لا يعاني من أيّ مرض ولا أيّ خلل في جسده، أتى الموت وخرجت الروح ونحن أمام جثة هامدة.

هذه الجثة الهامدة، عادةً، أغلب الناس يقومون بتشييعها والقيام بالواجبات الدينية تجاهها، كلٌّ بحسب دينه، ويدفنونها في القبر في بقعة صغيرة ويهيلون عليها التراب، وتنقطع فيه أثارها، وتغيب فيه أخبارها. بعد ما أهلنا التراب ، ماذا يجري في هذا القبر، ماذا يجري على هذه الجثة، ماذا يجري على هذا الميت؟ لا نعلم. إلى قيام الساعة، لا نعلم شيئاً.

ونعلم، بأنه في نهاية المطاف هذا الجسد بعد مدّة من الزمن يبلى، تأكله الدود والحشرات، ولا يبقى منه إلا هيكل عظمي وبعد مدّة أطول لا يبقى منه إلا عظام نخرة، وبعد مدّة أطول قد لا يبقى منه إلا بعض التراب.


الناس يتقبّلون التعازي، يذكرون ميّتهم لأيام، لأسابيع، ثم يعودون لحياتهم الطبيعية ؛ وإلّا لما استمرّت الحياة. هذا ما نعلمه. ونعلم بأنّ الروح غادرت الجسد، وهنا تأتي الأسئلة:

هذه الروح التي غادرت الجسد وتحول إلى جثة هامدة، هل هي تموت أيضاً؟ أم هي ما زالت حيّةً، عاقلةً، شاعرةً، تدري ما يجري حولها، تشعر بالألم، بالحزن، بالفرح؟ ما هو حال هذه الروح، أو هذه النفس؟ إلى أين ذهبت؟ أين تسكن؟ أين تقيم؟ ما هو مصيرها؟ هذا سؤال كبير. وهذا يجعلنا نتساءل: هل هناك عالم آخر بعد الموت؟ ما هو هذا العالم، ما هي أحواله، ما هي أوضاعه، ما هي قوانينه، وموازينه، وسننه؟ - مثل عالمنا أم هو مختلف . هل هناك رابط بين عالمنا وبين هذا العالم؟ هل في هذا العالم حساب أم لا؟ إذا كنا سنُحاسب، فهل سيكون على شيء فعلناه في هذه الدنيا أم على ماذا؟ أسئلة كثيرة وهي أسئلة مشروعة ومعروفة.

هذه الأسئلة جديرة بالتأمّل، والتفكير الطويل، والبحث العميق والحقيقي والجاد. لماذا؟ لأنها ترتبط بمصير كل واحد منّا وبمصير من نحب . إذا أحبَّ أحدنا والده، والدته، زوجته، أولاده، بناته، أبنائه، إخوانه، أرحامه، أصدقائه، جيرانه، الناس.. فيبحث عن مصيرهم، يبحث عن مصيره هو ويبحث عن مصيرهم هم.

وهذا البحث، أيضاً، هو ليس من باب مجرّد المعرفة . فإننا عندما نقول أنه توجد السماوات السبع فأين هي هذه السموات السبع؟ وهل يوجد أراضين سبع أم أرض واحدة وما معنى الأراضين السبع. المعرفة على كل حال جيدة. وكذلك عندما ندرس بعض ما له علاقة بالكيمياء والفيزياء أو نقرأ عن التاريخ وما شاكل. هنا نحن نبحث عن أمر يتعلّق بنا، بمصيرنا، بحياتنا في ذلك العالم، بنعيمنا الدائم أو شقائنا الأبدي، بسلامنا، بأمننا، بسلامتنا، ولذلك هذا من نوع الأسئلة المصيرية التي يترتّب عليها عمل وإجراءات وتدابير وخطط وبرامج واستعداد ؛ لأننا سنكون أمام سفر طويل وأمام حياة طويلة.

الغريب، أيها الإخوة والأخوات، سواء عند المؤمنين أو غير المؤمنين، أننا في هذه الحياة الدنيا نعلم أننا لن نعيش إلا لسنوات قليلة، نعلم ذلك ونقطع بذلك – ممكن أن لا نعيش إلا دقيقة الله أعلم – لكن مهما طال بنا الأمل – أنه كم سنعيش، 50 سنة، 60 سنة، 100 سنة أو أكثر – ومع ذلك لأننا نفترض أننا سنعيش هذا المدى الزمني، نجلس، وندرس، ونتخصص، ونبحث، ونتاجر، ونعمل، ونبني البيوت، ونجمع الأثاث ونتزوّج، ونُرزق بالأولاد، ونستقوي، ونبحث عن المناصب، ونبحث عن القوى كي نحمي أنفسنا ونأمن على أنفسنا وعائلاتنا، ونهتم بصحتنا وصحة الناس، والأمن والرفاهية وو... إلى آخره . وكل الحكاية ، 50 سنة، 60 سنة، 100 سنة . وهناك حياة أخرى لي ولك ــ ملايين السنين، مليارات السنين، الله أعلم، حياة أبدية، حياة خالدة، أزليّة ؛ إلا إذا شاء الله أمراً آخر – ألا نفكّر بها؟ ألا نحضّر لها؟ ألا نبني لنا فيها مساكن؟ ألا نزرع فيها حدائق؟ ألا نهيّئ لنا فيها أمناً، وسلاماً، وجاهاً، ورفاهية، وكرامة، وعزّاً، وشرفاً، ومقاماً، وجواراً؟ وفيها إلى جانبها فيها نارٌ وعذابٌ وجحيم، لا يمكن أن يخطر في بال إنسان، ألا نعمل لنتجنّب هذا الخطر وهذا المصاب الآتي الزاحف الذي لن يهرب منه أحد؟ غريب!

كفرد وكأفراد ؛ هذا التصرف غريبٌ منا، غير منطقي، غير عقلي، غير عقلائي، حتى غير مصلحي، غير نفعي. إذا أحدهم جاء إليك وقال بأنه ؛ سنة أو سنتين، سيحدث زلزلال في منطقة سكنك، سيذهب كل شيء، والماء ستُحدث تسوماني. ماذا تفعل؟ تبدأ بالتفكير كيف ستبيع وتنهي أمورك وتشتري في مكان آخر، وتؤمن المسكن والعمل واحتمال أن تنتقل من منطقتك بسرع. وهذا خبر علمي؛ من المحتمل أن يحدث أو أن لا يحدث. إذا قالوا لك بأن هذا الطريق الذي تسير به، يوجد عدو، يوجد كمين، يوجد حقل ألغام، وأنت مضطر أن تعبر عنه ومنه، ألا تقوم بتجهيز نفسك، تخطّط وتفكر بكيفية فكّ الألغام، كيف ستواجه هذا العدو، كيف ستعبر إلى الضفة الأخرى عبوراً آمناً وسليماً ؟ إذاً ، نحن في هذه الدنيا هكذا. لماذا لا نتعاطى مع حياتنا، مع مصيرنا، مع كرامتنا، مع أمننا، مع سلامتنا، مع رفاهيتنا، مع نعيمنا، مع ما نتطلع إليه في الآخرة على هذا الأساس؟! والموضوع لا يأخذ منا الوقت، فنحن، خلال سنين عمرنا، نخطّط وندرس ونعمل البرامج ونتاجر، ليلاً ونهاراً، كل الناس تسعى – همّ في الليل وهمّ في النهار – كي نأكل، كي يستتب الأمن، كي ندفع العدو، تأمين حياة اجتماعية مقبولة ومعقولة. إذاً، ولذاك العالم، ماذا حضّرنا، ماذا جهزنا، ماذا فعلنا؟ هذا هو السؤال الكبير.

ويكفي في الحقيقة، أيها الإخوة والأخوات، يكفي الاحتمال . حتى إذا أحدنا كان منطقي مع نفسه ولو لم يصل إلى يقين بوجود الآخرة وبوجود حياة بعد الموت ؛ لو، فقط، هناك احتمال فالمنطق والعقل يقول، يجب أن تحتاط، يجب أن تتهيّأ، يجب أن تتحضّر لهذا الاحتمال، لأنّه بعد الموت ليس هناك فرصة عمل على الإطلاق.

بشكل عام، من يؤمن بالله سبحانه وتعالى، وأسمائه وصفاته، ويؤمن بقدرة الله التي لا حدود لها، وبكماله وجوده وكرمه، وبكبريائه وجبروته وانتقامه، ويؤمن بعدل الله عزّ وجلّ يجد أجوبة سريعة على كل هذه الأسئلة.

نحن نؤمن بأن هناك حياة بعد الموت، وبأن هناك عالماً آخر، وأنّ هناك حساباً وثواباً وعقاباً، وجنةً وناراً . لن أدخل في نقاش كله استدلال لأنه من المفترض أننا نعلم به ونبني عليه فقط من قبيل التأكيد .

أولاً، لأنّ جميع أنبياء الله سبحانه وتعالى الذين بُعثوا في تاريخ البشرية – بعض الروايات تقول 125 ألف نبي – كلهم حدّثونا عن الحياة بعد الموت . 125 ألف كانوا معروفين بين أقوامهم بالصدق والأمانة والصلاح والسلامة أخبرونا عن ذلك عن الله سبحانه وتعالى . الكتب السماوية التي أنزلها سبحانه وتعالى على الأنبياء تحدّثنا عن ذلك العالم وعن تلك الحياة. القرآن الكريم، الكتاب الخالد والخاتَم والخاتِم فيه ما يقارب ألف آية كريمة التي تدور حول موضوع الآخرة ؛ الآخرة وأحداث القيامة وما بعد الموت وقبل القيامة وبعد القيامة، وما بعد بعد القيامة من جنة ونار وخلود. حتى أن هناك سور في القرآن اسمها له علاقة بالعالم الآخر . على سبيل المثال: الجاثية، الواقعة، الحشر، الممتحنة، التغابن، الحاقة، القيامة، التكوير، الانفطار، الغاشية، الزلزلة، القارعة . وبعض السور صحيح أن اسمها لا يتعلق بالقيامة ولكن مضمونها كله يتعلق بهذا الموضوع كسورة الإنسان.


أيضاً، مقتضى العدل الإلهي – سأكتفي بهذين الدليلين فقط . الأنبياء والكتب السماوية التي أخبرتنا عن ذلك ، وأيضاً مقتضى إيماننا بالعدل الإلهي، مقتضى العدل الإلهي. لأنّ في هذه الدنيا؛ الصالحون، العاملون بالصالحات، الذين آمنوا وعملوا الصالحات، من آدم إلى قيام الساعة، هم لم يحصلوا ، وكثير منهم قد لا يحصل على جزاء أعمالهم الصالحة . هم يُقتلون ويستشهدون ويتألمون ويواجهون مصاعب هذه الحياة فيما يتنعّم فيها آخرون . إذاً ، لا بدّ من عالم آخر. مقتضى العدل الإلهي أنّ هؤلاء في الآخرةيكون هناك عالم آخر وحياة أخرى – يثابون فيها على جهادهم، على جراحهم، على آلامهم، على معاناتهم، على صبرهم، على احتسابهم، على فقرهم، على البلاء الذي تحمّلوه في هذه الدنيا بصدق وإخلاص. وأيضاً من جهة أخرى، هؤلاء الظالمون، المجرمون، الطغاة، المستبدون، القتلة، العتاة، الذين ملأوا الأرض ظلماً وجوراً وفساداً وطغياناً – مثل فرعون ونمرود والذين قبلهم والذين بعدهم وفي هذه الدنيا ما أكثر الفراعنة والنماردة - هؤلاء لم ينالوا في الدنيا جزائهم، فالعدل الإلهي يقتضي أن يكون هنالك عالم آخر ليُحاسَب هؤلاء، ويُجازى هؤلاء، ويُعاقَب هؤلاء، على جرائمهم وعلى فسادهم وعلى طغيانهم وعلى تجبّرهم على عباد الله وخلق الله وعيال الله. إذاً، لا بدّ من ذاك العالم ولا بدّ من ذلك اليوم.

إذا أردنا تقديم التجربة على الأسئلة لاستنتاج خلاصة؛ خلاصة بالحد الأدنى على أساس إسلامي وقرآني .

سنتحدث بالأساسيات دون أن ندخل في التفاصيل.

أولاً، نحن نجزم بوجود حياة بعد الموت، نعتقد بذلك ونجزم بذلك – بناءً على الأدلة العقلية والأدلة القرآنية – وبوجود عالم آخر ننتقل إليه، وأن الحياة البشرية ؛ حياة أيّ إنسان لا تنتهي عند موته، وأن ما ينتهي مرحلة فقط منها. وحتى عند انتهاء الدنيا لا تنتهي البشرية تنتهي الدنيا أما البشرية كلها منذ آدم حتى آخر مخلوق قبل قيام الساعة ينتقلون إلى عالم آخر. هذا من حيث الأساس ومن حيث المبدأ.

ثانياً، ما بعد الموت؛ الحياة ما بعد الموت. في عقيدتنا الإسلامية تنقسم إلى مرحلتين: مرحلة وسطى ومرحلة كبرى – إذا أردنا تسميتهما – أو مرحلة تحضيرية - كما يقول العلامة الطباطبائي صاحب تفسير الميزان – ومرحلة الحياة الحقيقية الأبدية . لدى العلامة الطباطبائي تعبير جميل يقول: الدنيا هي دار العمل والامتحان والاختبار، وهناك عالم وسطي اسمه عالم البرزخ، عالم القبر والبرزخ هو عالم التهيؤ للحساب والجزاء، والعالم الثالث هو عالم الآخرة عالم الحساب والجزاء. فإذاً، توجد مرحلة وسطى تُسمّى بحسب المصطلحات الإسلامية عالم القبر وعالم البرزخ. عموماً يقولون عنها عالم البرزخ، تبدأ من موت الإنسان من انتقاله من هذه الدنيا وتستمر إلى أن يأذن الله بقيام الساعة، القيامة الكبرىز هذه المرحلة هي عالم البرزخ. طبعاً، البرزخ يتفاوت. أبونا آدم عليه السلام وأمّنا حواء عليها السلام هما في البرزخ منذ أن ماتوا والله أعلم كم بيننا وبينهم . أي في الماضي في التاريخ. أيضاً من سبقنا قبل ألف سنة، ألفين وثلاثة آلاف سنة في البرزخ . الذين يموتون الآن يذهبون إلى عالم البرزخ . وهذا العالم لا نعلم إلى متى يمتدّ زمنيّاً لأنه لا يعلم الساعة إلا الله سبحانه وتعالى . لا نستطيع عمل تقدير للسنوات. هذا ما نسميه عالم البرزخ.

معنى كلمة برزخ في اللغة العربية: الحاجز بين شيئين، الحائل بين شيئين. بمعنى أن عالم البرزخ هو الحاجز والحائل بين هؤلاء الذين انتقلوا من الدنيا ؛ يحول بينهم وبين الآخرة، ما بين القيامة الكبرى، بانتظار الإذن الإلهي للقيامة الكبرى وجمع الناس أجمعين منذ آدم إلى قيام الساعة. فهذا البرزخ، هذا الحاجز، هذا الحائل يحيط بهم من كل جانب. البعض يقول أنهم لا يستطيعون أن يذهبوا إلى الآخرة لأنه لا يوجد إذن إلهي، ولا يستطيعون العودة إلى الدنيا إلا بإذن إلهي. فهو يحجزهم في الوسط بين الدنيا وبين الآخرة إلى يوم القيامة.

المرحلة الثانية، هو القيامة الكبرى والعالم الأبدي، السرمدي، الأزلي الذي يبدأ عندما يعيد الله سبحانه وتعالى تكوين هذا الوجود وهذا الخلق. وتشاهدون في الآيات القرآنية مشاهد القيامة، الشمس، القمر، الجبال، الأرض، السماوات إلى آخره، يوم تبُدّل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار، والله سبحانه وتعالى يحيي الخلائق أجمعين ويأتي بها إلى صحراء المحشر للحساب . وهنا تبدأ أحداث القيامة الكبرى.

المرحلة الأولى لما يُسمى بعالم القبر أو عالم البرزخ


أولاً، العلماء والمفسرون عندما يستدلون، يستندون بشكل أساسي إلى قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ . عندما تبدأ حالة النزع عند أحدنا يدرك أن روحه بدأت تُنزع وبدأت حالة الانتقال ومغادرة الدنيا ، هو يخاطب الله سبحانه وتعالى مباشرة أو عبر ملائكته : ربي ارجعوني كما نقول بالعامية (حس بالسخن) الحياة انتهت، فرص العمل انتهت، سينتقل إلى دار آخرة، رأى احتضار، نزع روح، ملائكة وعالم جديد بدأ يظهر أمام عينيه ــ وهذا موجود في الروايات ـ يُكشف له. شعر بأن الوضع أصبح حاسم وقاطع، فيتوسّل أن يُعطى فرصة العودة . هنا لا نتحدّث عن ناس في الآخرة، أو في الجنة أو في النار، بل هذا الحديث يبدأ منذ حالة الاحتضار، فيقول لهم: ﴿قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْت.

﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ؛ منذ أن ماتوا إلى أن يُبعثوا هم في حالة ، في عالم، في مجال، في منطقة البرزخ إلى يوم يبعثون. ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ عندما يُحيا الخلائق من جديد ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ ذهبوا إلى الحساب وإلى صحراء المحشر.

في هذه المرحلة، في البداية، في عالم البرزخ، في عالم القبر. طبعاً حول هذا العالم يوجد تفاصيل كثيرة، روايات وأحاديث كثيرة. بعض الآيات أيضاً تدلّ على هذا المعنى؛ نذكرها إن شاء الله بسياق مختلف لكنني أريد التركيز على الأساسيات ..

أولاً موجود عندنا ــ وهو مجمع عليه من المسلمين إلا بعض الآراء القليلة . أما المذاهب عموماً هي تقبل هذه العقيدة – أن الله سبحانه وتعالى عندما يُدفن هذا الميت في القبر، يُرسل مَلَكين كريمين ويعيد الحياة إلى هذا الميت. والملاكان – بمعزل عن أسمائهما لأنها تدخل في التفاصيل – يسألانه عن أمور أساسية: عن ربه، عن دينه، عن نبيّه، فإن أجاب حقّاً وعلى ضوء أعماله وحالته في الدنيا، فإن كان صالحاً – تقول بعض الروايات – يسلّمونه إلى ملائكة النعيم. وإن تلجلج أو لم يحر جواباً أو قال ما كان عليه بالفعل يُسلّمونه إلى ملائكة العذاب ويجري على ما يجري عليه في ذلك القبر . وهنا أيضاً نكون قد دخلنا في التفاصيل . هذه اللحظة قاسية جداً، وحاسمة جداً، ومصيرية . فمن لحظتها حُدّد له في أي صف هو ذاهب، صف النعيم بمعزل عن أشكاله وتفاصيله وعناوينه وفي عالم البرزخ ، أو في صف الشقاء والعذاب والهون بمعزل أيضاً عن حجمه وتفاصيله وكيف يكون بعالم البرزخ. هذا موجود في الروايات.


ومرحلة الأيام والليالي الأولى والساعات الأولى – حقيقة لا أعرف – ستكون بالنسبة للإنسان شديدة الهول. سأقرّب الفكرة قليلاً : في الدنيا، عندما ينتقل أحد ما من بلد إلى بلد، من مدينة إلى مدينة في وطنه، بمعنى يتغيّر محيط بيئته ومسكنه وجيرانه، فيبقى لفترة مظطرب إلى أن ينسجم، نفسياً وعاطفياً إلى آخره . فكيف عندما ينتقل من الدنيا إلى تلك الدار. هول ما واجهه عند النزع والاحتضار، هول الانتقال إلى هذه الدار الجديدة، هذا بحدّ ذاته كافٍ، ولذلك كان الأنبياء (عليهم السلام)، الأنبياء العظام، كأئمتنا (عليهم السلام)، كبار العرفاء، والصالحين، يبكون عندما يتذكّرون أو يخطر في بالهم تلك اللحظات.


عندما ينتقل إلى القبر – لا يريد شيئاً فكل شيء واضح حتى ولو لم تخبرنا الرواياتانتقل إلى هذه الحفرة الضيقة. أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: "وحُفْرَةٌ لَوْ زِيدَ فِي فُسْحَتِهَا، وَأَوْسَعَتْ يَدَا حَافِرِهَا، لأضْغَطَهَا الْحَجَرُ وَالْمَدَرُ، وَسَدَّ فُرَجَهَا التُّرَابُ الْمُتَرَاكِمُ" بمعنى ؛ هذا القبر هو بيت الغربة، هو بيت الوحشة، هو بيت الدود، هو بيت الخوف، بيت الهلع، بيت القلق . الإنسان وحده غريب، متروك، لا ناصر له ولا معين، حتى لو تكلم لا أحد سيسمع صوته، لا يستطيع عمل شيء، ليس بقادر على تصليح أي شيء . دار العجز المطلق، والفقر المطلق. وكله يظهر في هذا القبر.


أحياناً نحن نتغلّب على أنفسنا، بأننا قادرين ونحن أغنياء ونحن... وإن كنا نعيش في محض الفقر، وفي محض الجهل. لولا أنّ الله يمنّ علينا بعلمٍ وبغنًى وبمالٍ وبجاهٍ؛ لكن هناك تنكشف الحقائق ففي القبر يظهر عجزي وفقري وجهلي وضعفي ووهني. أضف إلى ذلك ــ الروايات تقول عن الملائكة وماذا تفعل في هذه المرحلة – يوجد حديث عن ضغطة القبر؛ أن القبر يضغط الميت في الأيام الأولى، أو الليالي الأولى، أو الساعات الأولى أو ما يُسمّى بضمّة القبر وأنه لا يُستثنى منها إلا قليلون جداً – هذه الروايات موجودة عند السنّة والشيعة وعند عموم المسلمين وتستوجب حقيقة التوقف والاحتياط والحذر. كالآية التي بدأنا بها: و﴿يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ هذه من منازل الآخرة، هذه بدايات منازل الآخرة.

بعدها ، إذاً أتت الملائكة. سألوه، صنّفوا الناس، أنت من هنا وأنت من هنا . إلى أين؟ إلى أين سيذهب هؤلاء الناس؟ هذا له نقاشات وآراء علمية، وفلسفية، وكلامية وقرآنية لن أناقش فيها وكما وعدت بالتبسيط أقول ما يلي: إخوتي وأخواتي، هناك قدر متيقّن لا نقاش فيه ــ وهذا متفق عليه ودليله هو الآيات القرآنية، الروايات أيضاً بعضها صحيح السند وتساعد هذا القدر المتيقّن ــ القدر المتيقّن ما هو؟ أنه يوجد فئتين في عالم البرزخ: فئة تُعذّب . قطعاً تُعذّب وفئة تُنعَّم . قطعاً تُنعّم. يوجد فئتين، وبقية الناس نتحدث عنهم بعد قليل.

الفئة الأولى التي بمجرد أن انتقلت من هذه الدنيا تتلقاها الملائكة بالتعنيف، والتوهين، والتعذيب، والإذلال، والعقاب بأشكال مختلفة، من هم؟ نأتي للآية الكريمة: قال الله سبحانه وتعالى في كتابه المجيد ؛ يتحدث عن موسى وفرعون: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ – يتحدث عن موسى - سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآَلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ * النَّارُ يُعْرَضُونَ ما هو سوء العذاب؟ شقّين: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّ هذا الشق الأول، الشق الثاني ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ هذا سوء العذاب. الشق الأول بالبرزخ، الشق الثاني يوم تقوم الساعة. ما الدليل أنه في البرزخ؟ يقول المفسرون والعلماء عن قوله: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّ: في جهنم القيامة الكبرى، في جهنم الخالدة، لا يوجد صبح وليل، في هذه الآية يقول يُعرضون عليها صباحاً مساءاً . أي لم تنتقل إلى جهنم الآخرة.


ثانياً، القرينة الأخرى، عندما قال: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ بمعنى أن هذا قد قبل قيام الساعة، عُرضوا على الناس صباحاً ومساءاً قبل أن تقوم الساعة، وعندما تقوم الساعة، الله تعالى يقول لهم: ﴿أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ. فإذاً، من هي هذه الفئة الأولى؟ فرعون هنا لا خصوصيّة له، الفراعنة، النماردة، العتاة، الطواغيت، أبو جهل، أبو لهب، صناديد قريش الذين قاتلوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). في التعبير بالروايات يقول: من مُحِّض الكفر محضاً، أي هو كفر محض، ظلم محض، طغيان محض، استبداد محض . في الأساس هذا ليس لديه استراحة. بعض الناس يقول لك أنتحر وأستريح. كيف ستستريح فهو ليس لديه استراحة . هذا كانت دنياه جنّة بالنسبة له كما يقول الإمام الحسين (عليه السلام). عندما كان في الدنيا هذه جنّته : كان لديه قصر ونعيم وملك وزبانية وناس، يأكل ويشرب ويتمتع ويصرف الأموال، يشبع شهواته. هذه انتهت . لكن من لحظات النزع وإلى الأمام إلى الأبدية هو دخل في العذاب والهوان والإذلال والشقاء، إذاً هذه فئة.

طبعاً هذه الآية بالرغم من أنها آية واحدة يُستدل بها أولاً، على وجود مرحلة وسطى والتي نُسمّيها البرزخ، ويُستدل بها على وجود حياة في هذا العالم لأنه لا يُعذّب الجماد وإنما يُعذّب الحيّ، ويُستدلّ بها على عذاب وشقاء ونعيم، ويُستدلّ بها على وجود نار برزخية غير جهنم المعروفة . ويُستدلّ بها أيضاً على أنّ العذاب في عالم البرزخ لا يُقاس بالعذاب المنتظر في يوم القيامة . أي هو أقل شأناً من العذاب؛ وإلا فلما التصعيد بأنه يوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشدّ العذاب . عذاب يوم القيامة أشدّ من العذاب في البرزخ وكذلك نعيم القيامة أعلى من نعيم البرزخز. ولذلك ورد في الروايات أنّ المعذّبين في البرزخ يقولون ربنا لا تُتمّ القيامة . لأنهم يرون مصيبتهم وما ينتظرهم أسوأ . وأمّا المنعّمون في البرزخ فيقولون ربنا أقم لنا القيامة . لأنهم يستبشرون بنعيم أعلى وأعظم وأفضل.


الفئة الثانية، الشهداء . الشهداء من خلال الآيات التي سنستدلّ بها، وإلا المقصود الأنبياء، الرسل، الأوصياء المعصومون. وبحسب الروايات من مُحضّ الإيمان محضاً. هذا إيمان، طهارة، نقاء، صفاء، تديّن، عدل. هذا محض الإيمان. فهؤلاء أيضاً في عالم البرزخ لا نقاش في أنهم يُنعّمون منذ اللحظة الأولى التي ينتقلون فيها من هذه الدنيا، ينتقلون إلى نعيم الله، إلى رضوان الله، إلى أمن الله، إلى العافية والسلامة والكرامة وإلى ما أعدّه الله سبحانه وتعالى لهم، هذه الفئة الثانية.

دليل يستدلون به من القرآن. قال الله تعالى – هنا نستدلّ عن الشهداء -: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ يخاطب الناس منذ نبيّنا آدم إلى اليوم وإلى قيام الساعة، في ذاك الوقت كانوا يقولون بأن هؤلاء قد ماتوا فالله يقول لهم لا تقولوا هؤلاء ماتوا بل أحياء، هم الآن أحياء، لا نتكلم عن القيامة فهؤلاء الآن أحياء. ﴿أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ . الآية الأوضح قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ . الآن هم أحياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ . ماذا يعني أحياء عند ربهم - يُرْزَقُونَ . هنا الرزق ليس معناه الأكل والشرب المال، بل كل ما هو رزق، يُرزقون من الكرامة، من الدرجات العالية، من الأمن، من السلامة، من الشرف، من العزّ، من الرضوان والروح والريحان، والنعيم والجنان وإلى آخره . ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ الآن، الشاهد هنا ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ . يستبشرون بمن؟

بإخوانهم، برفاقهم، بأحبائهم، أصحابهم الذين ما زالوا في دار الدنيا. ماذا يقولون لهم؟. الآن الشهداء الذين سبقوا في ذاك العالم، يقولون: أيها الإخوة الموجودون في الدنيا، يا أهل الدنيا، لو تعرفون نحن في أيّ نعيم، في أي جمال، في أي نور، في أي سلام، في أي كرامة، مع مَنْ وفي جوار مَنْ، لَمَا طاقت أنفسكم ولَما تحمّلتم البقاء في الدنيا لحظة واحدة. ولكنكم محجوبون، غافلون، ناسون . ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ ، ويطمئنون عليهم أنه أنتم الذين تواصلون طريقنا وستُرزقون إن شاء الله الشهادة كما رُزقنا ما ينتظركم هنا ﴿أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ . هذه الفئة أيضاً هي الفئة الثانية؛ مَن مُحضّ الإيمان محضاً أو مَحضَ الإيمان محضاً. هم في عالم البرزخ مُنعّمون إلى أن تقوم الساعة.

الآن، ماذا عن بقية الناس؟ هنا قد اختلفت الروايات واختلفت الأقوال بين العلماء، حتى داخل المذاهب الواحد . مثل ما أنليالي القدر أصبحت 3 ليالٍ، وأنه عليكم التفتيش عنها في آخر الليالي العشر وبالمفردة في العشر الأواخر ؛ فهناك آراء واختلافات متنوعة في هذا الموضوع.

كون هذا البحث علمي، فكري، عقائدي، كلامي لا أريد إعطاء نتيجة حاسمة لكنني سأعرض بعض الآراء. بعض الآراء تقول، أن بقية الناس بعد أن يُسألوا – ويأخذوا الوجبة الأولى إن صح التعبير ــ من قِبل الملائكة وما يجري عليهم في القبر من الضمّة والضغطة، الاستبشار أو الغضب ؛ فهؤلاء يُلهى عنهم. فالملائكة لا عمل لها معهم . ما معنى يُلهى عنهم، وما الذي يحدث معهم؟ لا يوضحون .

يوجد رواية تقول بأنه يُلهى عنهم. وقول آخر يقول: إنه إذا كان من أهل الصالحات فيفتحون على قبره نافذة أو باب من الجنة فيأتيه من ريحها، من روحها من سعادتهاالله أعلم ما الذي يأتيه – وينام ولا يستيقظ إلا عند النفخ في الصور؛ عندما يأذن الله سبحانه وتعالى بقيام الساعة. وكذلك الآخر يُفتح على قبره كُوّة أو نافذة أو كذا إلى جهنم ويطاله شيء من نارها، من حرارتها، من ظلمتها إلى آخره، أيضاً هو ينام ويُلهى عنه.

وهناك من يقول، أنه لا فرق. لكن هؤلاء ليسوا كالفئة الأولى وليسوا كالفئة الثانية، يُنعّمون بحساب وهؤلاء يُعذّبون بحساب معيّن. وإلّا فالقاعدة هي أن كل قبر هو إمّا روضة من رياض الجنّة أو حفرة من حفر النيران. أيضاً هناك نقاش، أن هؤلاء المنعمون مثلاً عندما نتكلم عن الشهداء أو الأنبياء، هل يُنعّمون في قبورهم هذه؛ تُحوَّل قبورهم إلى روضة من رياض الجنة، أو أنّ هناك جنان برزخية يُحشرون إلى تلك الجنان ويتنعّمون في تلك الجنان . أيضاً هناك روايات وآراء وأقوال . وكذلك هل يُحوَّل القبر إلى حفرة من حفر النيران إلى قطعة من جهنم أم لا. أم أن هناك نارٌ أو نيران برزخية يُحشر إليها أمثال هؤلاء ؟ أيضاً هذا تفصيل.

لكن الذي أريد أن أصل إليه في هذه النقطة، هو التالي: أنه بمعزل ، إن كان بالرأي الأول أو الثاني أو الثالث فيما يعني ببقية الناس غير الفئة الأولى والفئة الثانية ،يكفي أن نحتمل : الآن أنا أعتبر نفسي إن شاء الله لست من الفراعنة وأرجو أن أكون من المؤمنين ولكن من عامّة الناس من هؤلاء الذين نسأل عن حالهم. فهناك احتمال أن يُلهى عني واحتمال أن يقولون لي أن أنام ويوم الحساب نتحاسب معك . ولكن احتمال آخر لا يقول ذلك . يكفي أن يكون هناك احتمال أن يكون القول الأخير الذي يقول أن كل قبر هو روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران، وأن النعيم يبدأ مع الموت، وأن العذاب يبدأ مع الموت ولكنه يتناسب مع الوضع البرزخي ويختلف عن القيامة. هذا الاحتمال وحده يجعلنا نعيش حالة قلق وحالة هلع وحالة خوف بل في حالة حذر شديد . بالنهاية إلى أين نحن ذاهبون؟ أيّ كان قد يموت في أي لحظة ، وفي أيّ مكان. العالم كله ويموت حيث لا يتوقع أحد وفي الزمان حيث لا يتوقع لا هو ولا أحد. ففي النهاية أنا ميّت، والله يخاطب النبي: إنك ميت وإنهم ميّتون، وهو أحبّ الخلق إليه. إذاً أنا ميت وذاهب إلى هذا البرزخ، إلى هذا القبر الذي سألبث فيه . الله أعلم – مئات السنين، آلاف السنين، عشرات آلاف السنين لأننا لا نعلم متى نقوم الساعة - فهذا الاحتمال منطقي، عقلائي، توجد فيه روايات. الآيات تدل عليه والعقل يقول معقول لِمَ لا؟ إذاً، ما الذي جهزت له وما الذي حضّرت له.


-
الآن الحديث فقط لأجل البرزخ. سنأتي لاحقاً عن الليلة الكبرى والحياة الأبدية هناك . هذا البرزخ، هذا القبر، بيت الظلمة، بيت الغربة، بيت الوحدة، بيت الوحشة، بيت الدود، بيت العجز والوهن، والجوع، والفقر؛ ماذا جهزت له وماذا حضّرت له وماذا أعددت له؟ هذا السؤال الكبير التي يتطلب منا كأفراد وأيضاً كجماعات – كما علينا أن نجلس ونخطط لمعالجة أوضاعنا الاقتصادية والمعيشية والاجتماعية والسياسية والأمنية . وكما نخطط للزواج، وللعلم، وكيفية الحصول على مهنة، وعلينا تزويج أولادنا وتأمين أوضاعنا ــ مثلما كل هذا يأخذ منا الوقت وهو لسنوات قليلة في دنيا فانية فالذي يستحق حقيقة أن نجلس ونفكّر ونتأمّل وندرس ونخطط ونبرمج ونعمل ونتابع في الليل وفي النهار، ونستغل كل دقيقة وكل ثانية وكل لحظة وكل يوم من عمرنا في العمل للتهيّؤ، للتزوّد، للجهوزية، كما نعمل على الجهوزية للحرب . أين هي جهوزيتنا؟ ماذا أعددنا لهذا البيت الجديد؟ ما الذي جهّزناه له وما الذي أرسلناه من أثاث وأموال وسلاح وإمكانات – طبعاً ذاك العالم يختلف – ماذا أرسلنا بمعنى عمل صالح ، لأن عملنا الصالح هو الذي يبقى معنا منذ اللحظة الأولى.

في مضمون قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في إحدى الروايات، أن الإنسان عندما ينتهي ينظر إلى ماله – هذا بعد الموت أو حين الاحتضار – يقول : للمال أنت صرفت عمري بجمعك وتخزينك، بالحلال وبالحرام، فأنا في هذه المصيبة وفي هذه الرحلة الطويلة ما الذي سأحصل عليه منك، يقول له: ستحصل مني على الكفن. بقية المال يأخذه الورثة. أنت ستُسأل عنه من أين أتيت به، من الحلال، من الحرام... لكن الورثة هم من سيتمتع به في هذه الدنيا بمتعها المختلفة. ينظر إلى أولاده وعياله، أحبائه : كنت أسقيكم، أطعمكم، أعلمكم، أربيكم، كنت أدافع عنكم، وكنت أحملكم على أكتافي ما الذي سأحصل عليه منكم؟ فيقولون له: نحملك على أكتافنا. أنا أقول ذلك الآن والأمير يقول نشيّعك إلى حفرتك. أكثر الله خيرهم أنهم لم يتركوني في الشارع وتطلع رائحة جسدي بل حملوني إلى حفرتي وتقبلوا بي العزاء بعدها يأتيه شيء فيقول له: من أنت؟ ــ من الواضح أن هذا الشخص تركه ماله وأولاده وأحبابه وأهله – فيأتي شيء ما ويلتصق به ولا يريد تركه . فيتساءل من أنت وما هي قصتك وأين رأيتك؟ هل أعرفك أم لا ؟ يقول له: نعم، أنا عملك ومن الآن وصاعداً أنا معك ولا أغادرك لحظة واحدة.


أنا عملك، إذا كان هذا العمل عمل صالح فهذا ذخرك وعونك، وحرزك وقوتك، وغوثك ومعينك. هذا إيمانك وعملك الصالح. وإذا كان هذا العمل، ظلم وطغيان، وفساد وسوء ومعاصٍ، وقبائح وذنوب ؛ فالله يعينك على هذا القرين الذي لن يغادرك إلى ما شاء الله سبحانه وتعالى .


في الختام، نقول في هذا الشق الأول. نحن نؤمن في الشق الأول بوجود عالم برزخي، وحياة برزخية، فيها نعيم وفيها عذاب. نعيم طبعاً لا يقاس به أي نعيم في الدنيا – كي لا نزهد فيه - وعذاب لا يُقاس به أي عذاب في الدنيا. ولكن ومع ذلك إن نعيم الآخرة وعذابها أعظم من ذلك بكثير. هذا العالم ينتهي عند قيام الساعة، له أيضاً موازينه وقوانينه والعُمدة فيه هو على العمل. حتى المؤمنين الذي يؤمنون بالشفاعة، بشفاعة الأنبياء (عليهم السلام)، للمذنبين والعاصين، بشفاعة أهل البيت (عليهم السلام)، بشفاعة الشهداء (رضوان الله تعالى عليهم) – نحن ممن يؤمن بأن هؤلاء لهم كرامة ولهم مكانة ولهم مقام عند الله سبحانه وتعالى ويشفعون ويشفَّعون - ولكن في الروايات والأحاديث وفي آراء العلماء في عالم البرزخ لا توجد شفاعة حتى شفاعة لا يوجد . تقول أنا والد شهيد، أم شهيد... هذا كله لا ينفع . في عالم البرزخ إيمانك وعملك الصالح ولا شيء آخر. ولكن في الآخرة، توجد الشفاعة، وأبواب الرحمة الإلهية، توجد الهَدايا الإلهية واللطف الإلهي . لذلك عالم البرزخ عالم شديد ولا يستهِن به الإنسان. ولذلك حصل توجيه في الروايات أنه في يوم القيامة من الممكن أن يساعد أحد الآخر إنما في البرزخ فلا . لذلك انتبهوا لأنفسكم واعتمدوا على أنفسكم أي على إيمانكم وعلى عملكم الصالح، على عبادتكم، على بركم، على تقواكم، على خيركم، على جهادكم، على إخلاصكم، على نقائكم، على طهارتكم وعلى صدقكم . هذا هو الذي يعينكم في ذاك السفر . كما في سفر الدنيا عندما تريد السفر في الصحراء عليك تجهيز ما يتناسب مع سفر الصحراء. عند صعود الجبل، أو عند السفر في المناطق الجبلية عليك تجهيز ما يتناسب مع السفر الجبلي من ثياب، ووسيلة نقل، وأكل وشرب... . أنت هنا في سفر طويل، لمئات وآلاف السنين، له هذه الطبيعة، في هذه القوانين، في هذه الموازين يجب أن تتزوّدوا. تزوّدوا يرحمكم الله وقد نودي فيكم بالرحيل وخير الزاد التقوى.


السلام عليك يا سيدي ومولاي، يا أبا عبد الله الحسين، يا ابن رسول الله، وعلى الأرواح التي حلّت بفنائك، عليكم مني جميعاً سلام الله أبداً ما بقيت وبقي الليل والنهار، ولا جعله الله آخر العهد منّا لزيارتكم.

السلام على الحسين، وعلى علي بن الحسين، وعلى أولاد الحسين، وعلى أصحاب الحسين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

 

 

 

كلمة سماحة الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله في الليلة العاشرة من محرم 23-10-2015

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا أبي القاسم محمد بن عبد الله، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأصحابه الأخيار المنتجبين، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين.


السلام عليك يا سيدي ومولاي، يا أبا عبدالله الحسين، يا ابن رسول الله، وعلى الأرواح التي حلّت بفنائك، عليكم مني جميعاً سلام الله أبداً ما بقيت وبقي الليل والنهار، ولا جعله الله آخر العهد منّا لزيارتكم.

السلام على الحسين، وعلى علي بن الحسين، وعلى أولاد الحسين، وعلى أصحاب الحسين.

السادة العلماء، والإخوة والأخوات، السلام عليكم جميعاً ورحمة الله وبركاته، وعظّم الله أجوركم جميعاً في هذه الذكرى، ذكرى كربلاء، ومصاب كربلاء، وتضحيات كربلاء.


في البداية، أود أن أتوجه بالشكر إلى جميع الإخوة والأخوات، ونحن في هذه الليلة نختتم الإحياء، بانتظار لقاء الغد إن شاء الله. نتوجه بالشكر إلى جميع الإخوة والأخوات الذين ساهموا وتحمّلوا المسؤولية وتعبوا خلال هذه الليالي والأيام، سواء في حماية هذا المجلس وكل المجالس على امتداد الوطن، الإخوة والأخوات الذين ساهموا في إدارة هذه المجالس بتنظيمها، الإخوة والأخوات والعلماء الذين شاركوا خطابةً وقراءةً وعزاءً وردودا، ومكّنوا من إحياء هذه المناسبة هذا العام بأفضل ما يمكن من نتائج طيبة ومطلوبة، والحمد لله. الشكر لكم جميعاً أيضاً، أنتم حضّار كل ليلة من هذه الليالي، المواسين لأبي عبد الله الحسين (عليه السلام)، شكراً لكم على كل حضور وكل تلبية، أيضاً يجب أن نتوجه بالشكر إلى الجيش اللبناني والمؤسسات والأجهزة الأمنية الرسمية التي بذلت أيضاً جهوداً جبارة في هذه الأيام والليالي من أجل تأمين سلامة وأمن كل المشاركين في كل المناطق، لكل من بذل جهداً ونسيته ولم أسمّه، كل الشكر والتحايا وطلب الأجر والدعاء إن شاء الله.


أيها الإخوة والأخوات:

يقول الحسين (عليه السلام) في كلماته الحاسمة: ألا ترّون إلى الحق لا يُعمل به ـ كان يخاطب النخب ومن وراءهم كل الأمة وكل أجيال الأمة على امتداد التاريخ ـ ألا ترون إلى الحق لا يُعمل به وإلى الباطل لا يُتناهى عنه، فاذا كان الوضع كذلك يقول الحسين (عليه السلام) ألا ترون إلى الحق لا يُعمل به وإلى الباطل لا يتناهى عنه، فليرغب المؤمن للقاء الله محقاً فأني لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برما.

هذه هي مدرسة الحسين عليه السلام التي نصغي إليها بأصول قلوبنا قبل الآذان، ونتعلم في صفوفها مواقف الإباء والوفاء والثبات والتضحية والإخلاص للحق والرفض للباطل.

أيها الإخوة والأخوات، أنا أريد أن أتكلم الليلة في موضوع، أرجو أن تساعدونا جميعاً بالإصغاء من أجل الفائدة، طبعاً بالوضع العام وبوضع المنطقة ووضعنا، لأنه عادةً في هذه الليلة بالرغم من أن لها مناخاً مختلفاً، ولكنني عادة أخصصها للحديث السياسي، حيث يتعذر في يوم عاشوراء أن نشرح ونوضح ونسهب في توضيح المسائل، أريد أن أعود إلى بعض الأساسيات، نستوعبها ونستذكرها ونفهمها ونقبلها، وعلى أساسها نحدد مواقفنا، وكيف نتعاطى مع الأحداث القائمة في منطقتنا وفي بلدنا.


في الأساسيات، أن الولايات المتحدة الأميركية وأن الإدارات الأميركية المتعاقبة ومعها كثير من الغرب، مشروعهم وهدفهم في المنطقة واضح ومحدد، هم يعملون على أساس هدف واضح، ومن أجل تحقيق هذا الهدف الواضح يضعون إستراتيجيات ويعدلون فيها ويطورونها، ويضعون خططاً وبرامج على مديات زمنية متفاوتة ومختلفة، والإدارة الأميركية هي لا تتصرف في منطقتنا وفي العالم، كقوة جبارة على أساس عشوائي، وإنما تسعى دائماً لتحقق الأهداف المرسومة والثابتة لأميركا، والتي لا تختلف بين إدارة وإدارة وحكومة وحكومة ورئيس ورئيس وجمهوري وديموقراطي، وإنما تختلف عندها الأساليب.

ما هو الهدف؟

ببساطة أميركا كوريث لقوى الإستعمار القديم، ومعها بقية قوى الإستعمار القديم وفي مقدمها فرنسا وبريطانيا، هدفها الهيمنة على منطقتنا وبلادنا، الهيمنة على كل صعيد، وأن تكون هذه المنطقة تحت سيطرتها، سياسياً وعسكرياً وأمنياً وإقتصادياً وثقافياً أيضاً، هذا هو الهدف، أن يكون كل من في هذه المنطقة سواء كان حكومات أو شعوب أو قوى سياسية أو نخب مجتمعية، أن يكون الجميع خاضعاً ومسلّماً وتابعاً لإرادة الولايات المتحدة الأميركية. ما تريده لنا بالسياسة يجب أن نقبل به، ما تريده لنا بالعلم يجب أن نقبل به، ما تريده لنا بالاقتصاد يجب أن نقبل به، ومدت يدها أيضاً إلى الثقافة والدين، أمريكا تريد منا جميعاً أن نقبل بـ "إسرائيل" في المنطقة، فيجب أن نقب " بإسرائيل" في المنطقة، ممنوع أن تعاندوا "إسرائيل" أو تقاتلونها أو تقاومونها، أو حتى أن تناقشونها في شروط بقائها أو وجودها وهويتها وماهيتها، ما تريده أميركا يجب أن يخضع له الجميع، وأن يقبل به الجميع، ومن لا يخضع ومن لا يقبل فليأذن بحرب ذكية ومتنوعة ومتعددة الأشكال من قبل الولايات المتحدة الأميركية، حرب عسكرية حيناً وحرب سياسية حيناً وحرب إقتصادية وحرب أمنية وحرب إعلامية، وحصار وعقوبات، فليستعدّ. هذا هو ثمن الإرادة الحرة في العالم اليوم، ليس فقط في العالم العربي والعالم الإسلامي، من يريد أن يكون حراً في هذا العالم، سيداً في بلده وفي شعبه، ومن يريد أن يكون مستقلاً يأخذ قراراته على أساس مصالح وطنه وشعبه وأمته، هذا غير مقبول أميركياً، وعليه أن يستعد لأي شكل من أشكال الحرب الأميركية.

هذا هو عمق المسألة التي تجري في منطقتنا وبلادنا بل وفي العالم منذ عشرات السنين، بعد الحرب العالمية الأولى وبعد الحرب العالمية الثانية، هم يريدون أن يكون النفط والغاز وكل الموارد الطبيعية في العالم العربي والإسلامي في قبضتهم. في الظاهر النفط والغاز هو للحكومات العربية والإسلامية، ولكن في الواقع هو لأميركا ولشركات النفط الكبرى في الولايات المتحدة الأميركية من خلال شركاتها في المنطقة، والحكومات العربية والإسلامية هي عاجزة... هم يريدون إذاً النفط والغاز والمعادن الطبيعية، الحكومات لا تملك حتى أن تسعّر سعر النفط، يعني عندما تريد أميركا أن توجه ضربة إقتصادية كبيرة مثلاً لإيران أو للعراق أو لروسيا أو لفنزويلا أو لأي دولة في العالم في دائرة المواجهة والإخضاع، هي تأمر الحكومات العربية والإسلامية بأن تخفض سعر النفط، ولو كانت هذه الحكومات هي أيضاً سيلحق بها الفقر والعجز والمصاب، لأن القرار هو ليس في أيديهم. هم يريدون خيرات بلادنا لهم، وأيضاً هم يريدون بلادنا أسواقاً لهم، لكل منتوجاتهم، حتى لسلاحهم، فقط هذه السنتين والثلاث سنوات إذا كنتم تتابعون الأخبار، كم صار المشترى من قبل السعودية وقطر والإمارات ودول أخرى من السلاح من أميركا بشكل خاص، ومن فرنسا وبريطانيا؟ عشرات مليارات الدولارات، فقط في هاتين السنتين والثلاث سنوات، عشرات مليارات الدولارات من طائرات وسفن ومدافع ودبابات والله أعلم إن كانوا يحتاجونها أم لا يحتاجونها، ولكنهم يرتبون أسواقاً لشركات السلاح الأميركية الكبرى، لأن الذي يحكم في أميركا ـ أيها الإخوة والأخوات ـ ليس جمعيات حقوق الإنسان، بل الذي يحكم في أميركا هم أصحاب شركات النفط الكبرى وشركات السلاح الكبرى، هذا الذي يريدونه، إقتصادياً السيطرة وسيطروا بالفعل، هناك بعض المناطق خارجة عن سيطرتهم، يريدون السيطرة ويريدون أن نكون نحن أسواقاً لهم.


ماذا تريد أمريكا من دول وحكومات المنطقة؟ هي تريد السياسة الخارجية والأمن والنفط والغاز، الباقي لا مشكلة. يعني إذا أردنا القيام بتوصيف لكثير من دولنا وحكوماتنا، هي حكومات سلطات حكم إداري ذاتي يرئسها من يسمى ملكاً أو أميراً أو رئيساً، ولكن هي ليست دولة حقيقية وليست سلطة حقيقية، لأن قرار السياسة الخارجية هو لأميركا، وقرار الحرب والسلم عند أميركا، وقرار النفط والغاز عند أميركا، وقرار السوق الكبرى عند أميركا، هذه هي حقيقة منطقتنا اليوم من أجل استمرار هيمنتها على بلادنا،هدف أمريكا من الحروب، من القتال، من الصراعات... استنزاف مقدرات دول وشعوب هذه المنطقة، استنزافها بشرياً ومالياً واقتصادياً واجتماعياً ونفسياً. إسرائيل، أيها الإخوة والأخوات هي ليست المشروع، إسرائيل هي أداة تنفيذية في مشروع الهيمنة الأميركي الغربي على منطقتنا، هي تؤدي دوراً تنفيذياً وإجرائياً في خدمة الهيمنة الاميركية على منطقتنا، لذلك يقومون بحمايتها في كل مكان في العالم، حتى في مجلس الأمن، الفيتو ممنوع، ويقدمون لها الدعم المالي والاقتصادي والعسكري، وإذا تعرضت لخطر جدي سيقاتلون للدفاع عنها. هذه إسرائيل. تصوروا لو جاء يوم أمريكا ضعفت أو خرجت من المنطقة أو انشغلت بحالها لأسباب داخلية اجتماعية اقتصادية وما شاكل، ماذا سيكون مصير إسرائيل، هل إسرائيل هذه قابلة للبقاء على قيد الحياة في منطقتنا؟ أبداً، إسرائيل هذه هي أداة امريكية حقيقية والشعب الفلسطيني اليوم وشعوب المنطقة، وفي مقدمها الشعب اللبناني، الذين عانوا من العدوان الإسرائيلي والاحتلال الإسرائيلي والمجازر الإسرائيلية إنما يتحملون أعباء مشروع الهيمنة الاميركية، وإسرائيل هي أداة. الذي يتحمل المسؤولية الأولى وبالأساس عن كل جرائم إسرائيل ومجازر إسرائيل واحتلال اسرائيل وما تفعله اليوم في القدس وفي المسجد الأقصى وفي الضفة الغربية وقطاع غزة وداخل فلسطين قبل نتنياهو وجيش نتنياهو الإرهابي هو أمريكا والإدارات الأميركية المتعاقبة. الذي يتحمل المسؤولية هي الإدارة الأميركية الحالية والإدارات الأميركية المتعاقبة.


أيضاً في هذا السياق، وعلى هذا الأساس، في مشروع الهيمنة الأميركية في المنطقة، غير مسموح أن تقوم دولة قوية، دولة عربية قوية، أو دولة إسلامية قوية، دولة قوية بمعنى دولة مستقلة، دولة تتخذ قراراتها من تلقاء نفسها، دولة تراعي مصالح شعبها، دولة تستفيد وتوظف مواردها واقتصادها، دولة تتطورعلمياً وتكنولوجياً وثقافياً وإدارياً وعلى كل صعيد. في مشروع الهيمنة الاميركية ممنوع. إذا (أراد) أي بلد، إذا أرادت مصر أن تصبح دولة قوية ممنوع، باكستان إذا أرادت أن تكون دولة قوية ممنوع. هنا لا يوجد سني شيعي، ولا يوجد مسلم ومسيحي. أي دولة تريد أن تصبح حرة سيدة مستقلة مقتدرة في إقليمها وفي منطقتها ممنوع أمريكياً، ولذلك تشن عليها الحروب المباشرة أو بالواسطة، مثل ما عملوا مع ايران عندما دفعوا صدام حسين للحرب على إيران ثماني سنوات، أو بالحصار والعقوبات، أو باختراع أحداث ونزاعات داخلية ويقومون بتغذيتها إعلامياً وسياسياً ومخابراتياً ومالياً، ممنوع عليكم في العالم العربي والإسلامي أن تكون لكم دولة قوية، حتى لو كنتم أصدقاء لأميركا، حتى لو كنتم موالين للأمريكان حتى لو كانت ثقافتكم ثقافة غربية، المطلوب فقط أن تكونوا عبيداً وأدوات ومطيعين. أميركا لا تريد في هذه المنطقة أصدقاء، هذا أيضاً من أساسيات هذا الموقف.

من الأساسيات أيضاً في مشروع الهيمنة أن كل ما يتحدث عنه الأمريكي ـ الآن ترون انه يملأ الدنيا بالضجيج ـ عن الديمقراطية، حريات الشعوب، الانتخابات الشعبية الحرة والنزيهة، حقوق الإنسان، المجتمعات المدنية، محاربة الفساد، كل هذا من عند الأميركان "حكي فاضي". لا أدّعي، سأقدم دليلاً.. لا نريد أن نحكي نظريات، نتكلم بالوقائع.


في الوقائع، كم من حكومة في المنطقة والعالم الثالث، كم من حكومة ومن نظام ديكتاتوري بل أعتى الديكتاتوريات في المنطقة، ترعاها وتدعمها وتدافع عنها الولايات المتحدة الأميركية؟ صحيح أم لا؟ هذا "حكي فاضي"، هذا كذب، هذا خداع، عندما نرى أمريكا تطالب بالانتخابات والديمقراطية وحقوق الإنسان في كل الدول نصدّقها، لكن عندما نجد الولايات المتحدة تدعم أعتى الديكتاتوريات في المنطقة وأسوأ أنظمة الفساد في المنطقة، وأسوأ أنظمة الأعتداء على حقوق الإنسان في المنطقة، وتدعم أنظمة لا دساتير فيها ولا انتخابات فيها ولا تداول سلطة ولا هامش ولو بسيط على الانترنت للتعبير عن الرأي، وإلا يحكم عليه بمئة جلدة أو بألف جلدة أو بالإعدام، عندما نجد أمريكا تدعم هذا النوع من الحكومات والأنظمة، فهذا معناه أن كل كلامها عن الديمقراطية والانتخابات وحقوق الإنسان وتداول السلطة ومحاربة الفساد أكاذيب وأضاليل، ويجب أن لا نخدع للأسف. بعض شعوب منطقتنا مخدوع، والبعض لديه استعداد للخدعة.
هل تصدقون ـ أيها الإخوة والأخوات ـ أن الولايات المتحدة الأميركية، بجيوشها وأساطيلها وأسلحتها النووية، هي جمعية خيرية لنشر الديمقراطية في العالم، فقط هم يريدون إسقاط نظام ما لهم مشكلة معه فقط لأجل أن ينتخب الناس حكومتهم ورئيسهم ويختارون نظامهم بملء حريتهم. هذا أين؟ هذا تضليل وكذب وخداع ونفاق

 


 

نعم الشعوب والحركات والحكومات غير الخاضعة للهيمنة الاميركية يأتي الأميركيون لفتح ملفاتها، يقولون أين الديمقراطية عندك في البلد، أين الانتخابات، نريد حكومة منتخبة على الشكل التالي، نريد أن نجري تعديلات دستورية، يفتحون ملف حقوق الإنسان. لا أتحدث عن مكان، كل نظام في العالم، أي حكومة في العالم، حتى أي حركة سياسية في العالم، يضعك على لائحة الارهاب، يمنعك من السفر، يصادر أموالك، إذا حولك له صداقة معك يضعه على لائحة الإرهاب، يصادر أمواله، أليس هذا ما يحصل؟

حسناً، هم لماذا يفعلون ذلك، يفعلون ذلك من أجل استخدام هذه العناوين والشعارات لإخضاع الدول التي رفضت الخضوع للهيمنة الأمريكية، يفرضون عليها الحرب أو الحصار أو العقوبات أو الأحداث الداخلية، يفتحون لها ملفات طويلة عريضة.

على الأقل هنا (في هذه الدول المعارضة للأميركيين) يوجد انتخابات، الآن تقول لي هذه انتخابات "حرة مش حرة، نزيهة مش نزيهة" على الأقل هناك انتخابات. حسناً هناك في الدول الموالية لكم والخاضعة لكم قل لي ماذا يوجد؟ أين الانتخابات هناك؟ أين تداول السلطة هناك؟ أين هامش حتى الحريات الشخصية وليس حرية الرأي فقط هناك، ومع ذلك لا نجدك هناك، ولكننا نجدك هنا، تحمل المدفع والسيف وتأتي بالطائرات وبالأساطيل، وتستخدم الحصار الاقتصادي لتجويع شعب أو لإذلال شعب من أجل أن تفرض عليه الخضوع.

أليست هذه هي الحقائق القائمة والموجودة؟ هذه أمريكا، من يقول إن أمريكا هي غير ذلك فليقدم لنا دليلاً من الواقع، من الحياة الواقعية، وليس من الخيالات والأوهام والأحلام والشعارات المضللة والكاذبة.

أيضاً في السنوات الأخيرة تقريباً الاثنتي عشرة والثلاث عشرة، إلى اليوم هناك شيء اسمه البرنامج النووي الإيراني، تصوروا أمريكا كيف تعاطت مع هذا البرنامج.


أشرح الفكرة العامة وأصل إلى التطبيق: أمريكا عندما تود الاعتداء على بلد أو على شعب تخترع كذبة وتسوّقها في العالم وتحشد العالم خلفها على أساس هذه الكذبة، وهذه الكذبة توصل إلى حرب، توصل إلى موت الملايين، ليس مهماً، المهم أن على قادة وشعب هذا البلد أن يخضعوا وأن يركعوا. هذه هي الفكرة العامة، تطبيقاتها كثيرة لكن نود أن نتحدث بكلمتين عن البرنامج النووي الإيراني.


من 12 سنة 13 سنة هناك مفاوضات، قال الأمريكان ومعهم الإسرائليون إن إيران تريد أن تصنع سلاحاً نووياً وتطور التكنولوجية النووية لتصل إلى السلاح النووي بل ادعوا أكثر من ذلك ان إيران صنعت سلاحاً نووياً وأخفته، وبناء عليه (قالوا) تعال يا مجتمع دولي وسر معنا، نريد الضغط على إيران، نريد أن نفرض عليها التزامات بالبرنامج النووي، ممنوع إيران أن تخصب وهو أبسط الحقوق لأي شعب في العالم، ممنوع، وفرضوا عقوبات وحصاراً، والهدف هو إخضاع الشعب الإيراني.

حسناً، كذبة عمرها 13 سنة ألحقت الأذى بشعب بكامله هو شعب إيران والأذى أيضاً باقتصاديات دول أخرى كانت تتعامل اقتصادياً مع إيران، وكاد ـ في أكثر من مناسبة ـ الموضوع النوي أن يطلق حرباً إقليمية في المنطقة، وكله على أساس ماذا؟ على أساس كذبة، كذبة قالها الأمريكان وصدقها العالم، وطبعاً كل جماعتهم ـ صدقوهم أم لم يصدقوهم ـ يسيرون معهم، الإعلام العربي، الكتّاب الذين يكتبون في الكثير من هذا الإعلام العربي، الحكومات، (حُسمت) إيران تصنع سلاحاً نووياً. بل بالعكس ـ للأسف الشديد ـ بسبب عقدة النقص في العالم العربي واحتقار الذات في العالم العربي، نجد بعض العرب أمريكيين أكثر من الأمريكي، ملكيين أكثر من الملك.


إلى أن وجدوا إيران لم تخضع، لم تستسلم، لم تسقطها العقوبات ولا الحصار، تواصل برنامجها النووي، تطوره بإندفاعة كبيرة جدا، الخيار العسكري صعب، العقوبات لم توصل إلى نتيجة، نجلس لنتفاهم مع إيران.

أمس دولة كبرى في العالم اسمها روسيا، يقف رئيسها في منتدى الأمن، ماذا يقول: "لقد خدعتنا الولايات المتحدة الأمريكية، العالم كان يعيش في تضليل أمريكي 13 سنة لأنه تبين أنه لا يوجد نووي عسكري ولا إيران تنوي أن تصنع سلاحاً نووياً" و"ما في شي منه"، كله أكاذيب بأكاذيب أمريكية.


أمريكا إذاً ليس لديها مشكلة أن تركّب أكاذيب ضخمة وتجعل العالم يصدقها ويسوّق لها ويقبل بها حتى في مجلس الأمن وحتى القوى الكبرى وتسوق العالم خلفها من أجل إخضاع بلد، كل قصة إيران ماذا؟ أن إيران تريد أن تكون دولة حرة مستقلة سيدة، تملك مواردها وتحافظ على كرامة شعبها وهذا ممنوع، هذا ممنوع عند الأمريكان.

لذلك بناء على ما تقدم يجب أن نكون حذرين ونفهم الأمور جيداً.

حسناً الآن إلى أين وصلنا؟ الآن، وبعد التطورات في المنطقة، بعد الهزائم التي لحقت بإسرائيل في المنطقة، من الثمانينيات إلى ال2000 في لبنان، إلى الانسحاب من غزة، إلى الحروب الأخيرة، إلى حرب تموز، إلى هزيمة أمريكا في العراق، أمريكا أيها الإخوة والأخوات شوفوا بالعراق، حصل انتصار عظيم، لم يحتفل به أحد، هذه من مآسينا نحن العرب والمسلمين، حتى الانتصار لا نحتفل به لأننا معتادون على الهزائم، الآن انتصار ال2000 من يحتفل به غيركم؟ لا يحتفلون به مع أنه انتصار للجميع. في العراق، المقاومة العراقية، الشعب العراقي، الإرادة العراقية الوطنية هي التي هزمت أمريكا في العراق، ولكنه عرس لم يحضر فيه العريس، لم يحتفلوا به، جئنا نحن لنحتفل به احتجوا علينا، بعد الهزائم الإسرائيلية في المنطقة وبعد الهزائم الأمريكية في العراق، في افغانستان، في المنطقة، وبعد التطورات الأخيرة في العالم العربي والإسلامي وما سمي بالربيع العربي، دخلت أمريكا على الأحداث من جديد، وأطلقت حرباً جديدة ـ هنا الفكرة الأساسية بحديثي الذي سنبني عليه موقفاً ـ وأطلقت حرباً جديدة، هذه الحرب سنحاول الليلة أن نفهمها أكثر من أي وقت مضى، هذه الحرب ـ أنا أقول لكم الليلة بعد قراءة وتمعن وجمع كل القرائن والأرقام أقول لكم ـ هي حرب أمريكية على كل من يرفض الخضوع للهيمنة الأمريكية. ما الذي حدث؟


عندما نقف مثلاً أمام العراق وسورية، وفي النتيجة في العراق وسورية كأن هناك حرباً واحدة ولكنها متعددة الأشكال، في سورية وفي العراق ـ وسأتطرق إلى اليمن عندما تأتي ـ دول غربية وعربية وإقليمية تجمع عشرات الآلاف من المقاتلين التكفيريين وتأتي بهم من كل أنحاء العالم، وكلنا نعرف إن أراد شخص تحصيل تأشيرة كم يتعب، وتقدم لهم التسهيلات وتقدم لهم الأموال وتقدم لهم مئات بل آلاف الأطنان من السلاح والذخائر، بل تقدم لهم الأسلحة المتطورة جداً كالتاو ضد الدروع وما شاكل، هل تفعل هذه الدول العربية والإقليمية ذلك بدون رضا أمريكا؟ من دون علم أمريكا؟

لا، هذا بالأصل مشروع أمريكي تعمل به السعودية وتعمل به دول عربية أخرى، وتعمل به تركيا وتعمل به دول غربية، هذا المشروع، الحرب الدائرة الآن في المنطقة قائدها الحقيقي هو الولايات المتحدة الأمريكية، هي التي تدعم وهي التي تساند وهي ضابط الإيقاع وهي المنسق وهي التي تدير كل هذه المعركة في منطقتنا


في العراق أيضاً من الذي قدّم المال والسلاح والدعم والتسهيلات لداعش؟ أمريكا وكل أصدقاء أمريكا بالمنطقة. لماذا؟ لأن أمريكا تريد أن تخضع العراقيين بعد أن طردوها وهزموا احتلالها، أمريكا تريد أن تخضعهم وتريد أن تذلهم وتريد أن تعيدهم إلى بيت الطاعة وتريد ان تقول لهم لا حامي لكم اليوم من داعش وأخوات داعش إلا أمريكا، تعالوا إليّ قبّلوا يديّ، اخضعوا لي، ما أريده تنفذوه، اقول لكم أريد إنشاء قواعد رغماً عن رقبتكم، عليكم أن تقبلوا بالقواعد الأمريكية.

عليكم أن تأتوا لي وتقبلوا يديّ وتخضعوا لي، وتفعلون ما أريد، اقول لكم بانني سأضع قواعد، يجب أن تقبلوا غصباً عنكم، أنا أحدد سعر النفط وأنا احدد الحكومة وأنا أختار رئيس الحكومة وأنا أضع الدستور، أذا كان يناسبكم هذا يا عراقيين فلتتفضلوا معنا لنتخلص من داعش، وإذا لم يناسبكم هذا الأمر فلندع داعش تفعل ما تشاء. أليس هذا هو الذي يجري في العراق؟ والله هذه هي الحقيقة.

في سورية أيضاً المطلوب إخضاع سورية أيضاً للإرادة الأميركية، وهي التي كانت متمردة على الإرادة الأميركية، وهؤلاء يقاتلون في خدمة المشروع الاميركي علموا أم لم يعلموا، كانوا علمانيين أو اسلاميين، كانوا يحملون القرآن أو يتحدثون عن أي شيء آخر، هذه الحرب الآن في سورية، على سورية وعلى كل من فيها هي حرب لإخضاع سورية للإرادة الاميركية.


سنطور الموقف قليلا، يعني الآن الاميركيون يقاتلون بالسعوديين وبغير السعوديين في سورية من أجل ان تحكم السعودية سورية؟ لا. عندما تنتهي الحرب ـ وهي إن شاء الله لن تنتهي لمصلحتهم ـ تقول أميركا للسعودية "كش"، هذا عندي أنا، وهذا عندي أنا، وهذا البلد عندي أنا، الحكومات العربية والإقليمية هي أدوات في الحرب الأميركية على العراقيين، وفي الحرب الأميركية على السوريين، وفي الحرب الاميركية على إيران وفي الحرب الأميركية على اليمن أيضاً.

أيضاً الحرب على اليمن هي حرب أميركية، عندما يريدون إخضاع اليمن ليس للسعودية فقط، إنما يريدون إخضاعها لأمريكا ولتبقى في دائرة الهيمنة الاميركية، هم أرادوا لهذه الحرب ـ هذه حقيقتها ـ أن تأخذ بعداً طائفياً، وبعداً مذهبياً، وبالتحديد أن تتحول إلى حرب سنيّة شيعيّ،ة لكن لم يتوفقوا في هذه الإطار بسبب وعي العديد من الحكومات ووعي الشعوب ومواقف العلماء ومواقف النخب السياسية والقوى السياسية التي رفضت هذا التوصيف لهذا الموقف. وبالتأكيد كان للعلماء السنة الصادقين والمخلصين وللقوة الإسلامية السنيّة على امتداد العالم الاسلامي ـ وأنا أقول لكم وأعترف ـ كان لهؤلاء الفضل الأكبر في عدم السماح بأن تتحول هذه الحرب إلى حرب سنية شيعية.

في بداية حرب اليمن وقف إمام المسجد الحرام، والذي يجب أن يكون داعية سلام وداعية وفاق وداعية وحدة، والصوت مسجّل صورة وصوت وموجود على اليوتيوب، ويمكنكم أن تشاهدوه، وخطب في المسجد الحرام، وقال لهم: الحرب مع اليمن هي حرب مع الشيعة، لماذا حرب مع الشيعة؟ لماذا يا أخي؟ لماذا يا عيني؟ لأنه مطلوب أن تكون الحرب هكذا، المطلوب أن تتحوّل الحرب إلى حرب طائفية ومذهبية "اسمحوا لي أن أقولها لأنها قاعدة على قلبي" حتى يجد التنابل وجيوش التنابل مرتزقة ومتطوعين ليقاتلوا بالنيابة عنهم، هذه الحقيقة. المطلوب كان في سورية وفي العراق ومنذ أشهر في اليمن، أن تستفز مشاعر المسلمين السنّة والشباب السنّة، ويقال لهم هذه معركة الشيعة والسنة وتعالوا قاتلوا، قاتلوا بالنيابة عن الملوك وعن الأمراء وعن الكروش وعن أصحاب مليارات الدولارات وعن ناهبي الشعوب، وفي نهاية المطاف، نتيجة هذه المعركة هي لأميركا.

هذه هي حقيقة المعركة الآن، في ليلة العاشر من المحرم يجب أن نقول الحق ونعلن الحقيقة، الحرب الدائرة الآن ليست من أجل الديمقراطية ولا من أجل الانتخابات ولا من أجل الإصلاحات ولا من أجل حقوق الإنسان ولا من أجل التنمية ولا من أجل معالجة مشاكل الفقر والجهل والأمية والمرض. الحرب القائمة الآن وتقودها أميركا وتخوضها دول وجيوش هدفها إخضاع كل أولئك الذين رفضوا الخضوع، هدفها كل الذين تمردوا ولا يزالون متمردين على الإرادة الأميركية والمشروع الأميركي، هدفها أولئك الذين أسقطوا مشروع الشرق الأوسط الجديد في العام 2006 عندما جاءت كونداليزا رايس وقالت ما قالت. بوش ورايس ومن خَلفهم كان لديهم مشروع شرق أوسط جديد. من الذي أسقط هذا المشروع؟ أسقطته المقاومة في لبنان، أسقطه حزب الله وحركة أمل، اسقطه كل الذين وقفوا مع المقاومة في لبنان وتضامنوا معها في لبنان عام 2006، أسقطته سورية الأسد بصمودها، أسقطته فلسطين بانتفاضتها ومقاومتها، أسقطته ايران بمواقفها الصلبة ودعمها الصادق. هؤلاء يجب أن يدفعوا الثمن، ثمن عدم الخضوع وثمن التمرد، ثمن المطالبة بالحرية الحقيقية والسيادة الحقيقية والاستقلال الحقيقي.

من هنا علينا أن نعرف حقيقة المعركة الآن، هي معركة بين جبهتين، تلك الجبهة قائدها ليس أبو بكر البغدادي ولا أيمن الظواهري وليس أبو محمد الجولاني ولا سلمان بن عبد العزيز، ولا فلان ولا فلان، قائدها الأميركي والإدارة الأميركية، وكل من معهم، وفي هذه الجبهة، يقف كل من يرفض الخضوع للإرادة الأميركية. هذا هو التوصيف الحقيقي لما يجري الآن في منطقتنا. ما أشبه اليوم بالأمس.

اليوم ماذا يقال لنا أيها الإخوة والأخوات، الذي يقال لنا إما أن تخضعوا لأميركا ولمشروعها وأن تقبلوا بإسرائيل وتقبلوا بأدواتها وتقبلوا بسيطرتها وتكونوا عبيداً لها، وإما أن نعلن عليكم الحرب والحصار والعقوبات ونضعكم على لوائح الإرهاب ونرسل إليكم الانتحاريين إلى مساجدكم وحسينياتكم وكنائسكم ومدارسكم وأسواقكم، والانتحاريون الجاهزون هم كثر، أليس هذا هو الذي يقال لنا الآن؟ إما أن تخضعوا وإما عليكم أن تتحملوا تبعات الموقف، موقف عدم الخضوع، موقف الحرية وموقف الاستقلال وموقف السيادة، أليس هذا الذي قيل للحسين عليه السلام في كربلاء، ألم يُقَل للحسين وأصحاب الحسين والنساء مع الحسين، ألم يُقل لهم إما أن تقبلوا بالبيعة ليزيد ولابن زياد ولو كان في هذا خطر على دينكم وإسلامكم وأمتكم مع كل ما يمثله يزيد من استبداد واستكبار وطغيان وفساد، إما أن تفعلوا ذلك أو تقبلوا أن تكونوا عبيداً ليزيد بن معاوية، وإما أن نقتلكم ونقطع رؤوسكم ونفجر أجسادكم وننهب أموالكم ونسبي نساءكم، أليس هذا الذي حصل؟

وهذا الذي فعله فيما بعد جيش يزيد عندما ثارت المدينة في وجه يزيد بعد عام أو عامين، ماذا فعل؟ أرسل جيشه إلى المدينة مدينة النبي (صلى الله عليه وأله وسلم)، مدينة صحابة رسول الله (صلى الله عليه وأله وسلم)، مدينة المهاجرين والأنصار وحاصرها وضربها وأحرق جزءاً منها وداست خيوله في مسجد النبي (صلى الله عليه وأله وسلم) وهتك أعراضها واغتصب نساء وبنات المهاجرين والأنصار وقتل أبناءهم، ومن بقي على قيد الحياة أخذت منه البيعة على أي أساس؟ البيعة لأمير المؤمنين؟ كلا، البيعة للخليفة؟ كلا، البيعة للامام؟ كلا، البيعة للحاكم؟ كلا، البيعة للمالك، أخذوا البيعة منهم أنهم عبيد ليزيد من معاوية، هذا الذي حصل يومها.

الحسين (عليه السلام) كان يعلم أين يقف وما هو الخيار الذي يجب أن يتخذه، وكانت مواقفه الحاسمة، إذا لم يكن هناك من خيار ثانٍ الا الموت، إما البيعة إما الموت، إما الذل إما الموت، إما الخضوع لإرادة المستكبرين إما الموت، الحسين (عليه السلام) علّمنا أن نقول: "فإني والله لا أرى الموت إلا سعادةً والحياة مع الظلمين إلا برما".

في هذه الليلة، نستحضر التاريخ والمعركة وحقيقتها ونتخذ الموقف، وضعوه ووضعونا اليوم كما فعلت إسرائيل في الماضي، أيضاً وضعونا اليوم. الحسين (عليه السلام) بين الخيارين قال: "ألا أن الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين بين السلّة والذلة، وهيهات من الذلة".


ونحن في مواجهة اسرائيل التي كانت تحتل أرضنا وتريد أن تحتل ارضنا وتريد أن تبقى في أرضنا وتريد أن تفرض شروطها المذلة على لبنان، عندما وضعتنا إسرائيل بين الحرب وبين الذل، بين الموت وبين الذل، بين الخيارات الصعبة، كلنا وقفنا في لبنان، أهل المقاومة، حركات المقاومة، جمهور المقاومة، منذ 1982 وقبلها مع الإمام موسى الصدر وإلى اليوم نحن ما زلنا نواجه إسرائيل ونقول لتهديدها ووعودها وحروبها كما قال الامام الحسين (عليه السلام) في كربلاء بين الحرب والسلّة، هيهات من الذلة.

واليوم أيضاً في مواجهة هذا المشروع الأميركي التكفيري، الذي يضعنا أيضاً بين خيارين إما الخضوع والذل وإما الحرب، يهددنا بالحرب في كل بلاد المسلمين، ليس يهددنا نحن "حزب الله" أو "الشيعة" وإنما يهدد كل شعوب المنطقة مسلمين ومسيحيين سنة وشيعة وغير ذلك، عندما يهددنا بالحروب وبالعمليات الانتحارية وبالسيارات المفخخة وبالقتل وبالسبي وبالنهب ويقول لنا إما أن تقبلوا هذا بأن تكونوا خاضعين لإرادتنا ولنا وإما الحرب والسيارات المفخخة، سنقول له، كما قلنا له منذ سنوات، في الموقف، وليس فقط في الموقف، الآن نحن نتكلم هنا، نجتمع هنا ولكن لكم أخوة أعزاء وإخوة كبار ومجاهدون اليوم موجودون في سوريا وفي أكثر من ساحة يقاتلون ويتقدمون ويصمدون ويقدمون الشهداء إلى جانب كل المدافعين في هذا الجانب وفي هذا المحور، وقدمنا الشهداء وقدمنا الجرحى، ولكننا مع وضوح الموقف نكرر مع الحسين (عليه السلام) هذه الليلة ونقول لكل من يهددنا، إسرائيلياً كان أم تكفيرياً: هيهات من الذلة.

وفي هذه الليلة نقول للحسين (عليه السلام) كما قال الأصحاب. في تلك الليلة جمع الحسين (عليه السلام) أصحابه وفتح الطريق، هذه القلّة الغريبة، المحاصرة، الملاحقة، المتهمة، المدانة، وخيّرهم وقال لهم: "ألا وإن هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملا"، وأنا اقول لكم الحسين (عليه السلام) دائما يقول للناس: "هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملا"، ومن شاء أن يغادر فليغادر، ومن شاء أن يهرب فليهرب، ومن شاء أن يلحق بالعدو فليلحق بالعدو، أما الحسين (عليه السلام) باقٍ هنا، لن يتزحزح ولن يتزلزل ولن يتراجع ولو بقي وحيداً في مواجهة الآلاف، هذه ليلة العاشر ماذا قال صحاب الحسين للحسين (عليه السلام)؟

رفضوا أن يتركوه أو يخذلوه أو يسلّموه، وقالوا الكلمات التي نرددها في كل يوم عاشر، أتُقتل ونبقى بعدك؟ لا طيّب الله العيش بعدك يا حسين، يا أبا عبد الله لو أننا نعلم ـ وأنا وأنتم اليوم في هذه الليلة ايضاً نقول الحسين (عليه السلام) ذلك ـ لو أننا نعلم أننا نُقتل ثم نحرق ثم نذرّ في الهواء ثم نحيا ثم نقتل ثم نحرق ثم نذرّ في الهواء ثم نحييا ثم نقتل ثم نحرق ثم نذرّ في الهواء، يُفعل بنا ذلك ألف مرة ما تركناك يا حسين.

وفي هذه المعركة، سواء مع العدو الإسرائيلي أو مع هذا المشروع الأمريكي التكفيري التي شرحت لكم كثيراً أنها معركة الدفاع عن الإسلام وعن قيم الإسلام وعن سمعة الإسلام وعن مقدسات المسلمين وعن أراضي المسلمين وعن مظلومي هذه المنطقة، نحن أيضاً في هذه المعركة لن نتراجع، إذا كان هناك أحد يراهن على تعبنا أو يقوم بتعداد شهدائنا، في كربلاء الجميع استشهد، نجا واحد أو اثنان، أريد من الذي يقوم بتعداد شهدائنا بأن يسمع، والذي يراهن على تعبنا بأن يسمع والذي يراهن على تراجعنا أن يسمع: هذه معركة نؤمن بها ونخوضها عن بصيرة وسنشارك فيها وسننتصر فيها إن شاء الله، أقول لكم سننتصر فيها إن شاء الله، لكن هذه المعركة بهذا الفهم وبهذه الحقيقة وبهذه البصيرة لا يمكن أن ننسحب منها أو نتخلى عنها أو نتراجع فيها، وأقول لكم بكل صراحة: من يتراجع ـ وليس فينا من يتراجع ولكننا نفترض ـ من يفكر أن يتراجع فهو كمن يترك الحسين (عليه السلام) ليلة العاشر في وسط الليل.

غداً إن شاء الله يجتمع المحبون والمخلصون والأوفياء في صبيحة يوم العاشر في كل مدينة وقرية، غداً نحن على الموعد من جديد مع الحسين (عليه السلام) لنحضر معه، رجالاً ونساءً وصغاراً وكباراً كما لم يمنعنا في أي سنة، لا مطر شديد ولا حر قاتل ولا سيارات مفخخة ولا تهديدات بالعنف وبالقتل، كما حضرنا معه في كل عام سنملأ غداً كل الساحات وكل الميادين ليسمع صوتنا "لبيك يا حسين"، ولنقول له يا سيدي ويا مولاي، يا سيدنا ومولانا نحن مذ سمعنا باسمك ونحن صغار ومنذ عرفناك واحببناك، اتبعناك ومشينا دربك في الجهاد والمقاومة والتقوى ولطالما ونحن صغار وكبار كنا نقول: "يا ليتنا كنا معك يا أبا عبد الله فنفوز فوزاً عظيما". غداً يا سيدي ويا مولاي نحن الذين ما تركناك على مدى كل عشرات السنين، نحن الذين ما خذلناك في كل معارك الشرف، نحن الذين ما تخلينا عنك في كل التحديات والمخاطر، غداً أيضاً في قلب المعركة الكبرى وفي كل ميدان وساح ستسمع صوتنا من أعماق قلوبنا، دمنا في عروقنا سيخاطبك ويقول لك: "لبيك يا حسين".

السلام عليك يا سيدي ومولاي يا أبا عبد الله الحسين، يا ابن رسول الله (صلى الله عليه وأله وسلم)، وعلى الأرواح التي حلّت بفنائك، عليكم مني جميعاً سلام الله ابداً ما بقيت وبقي الليل والنهار، السلام على الحسين وعلى علي بن الحسين وعلى أولاد الحسين وعلى أصحاب الحسين.

عظم الله أجركم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

 

 

 

تعليقات الزوار


مواقيت الصلاة

بتوقيت بيروت

الفجر
الشروق
الظهر
العصر
المغرب
العشاء